جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 29 ديسمبر 2016

الذات المثقفة والدولة الغازية

تجعل الذات المثقفة صاحبها حيوياً وساعياً نحو النافذة التي يستنشق منها هواء الحرية، حيث تكون أشبه بالقاعدة المؤسسة للأفكار وتقسم العمل حين الدخول في الميدان السياسي، فتجعل له خارطة طريق يرسم بها عمله ليسهب في شِعاب الأخطار آمناً، لذلك تبنى الأفكار على رؤيتها المتجذرة في مخزونها العلمي وتنتج ثمارها بمشاريعها المستقبلية الراصدة للتخلف والتمييز ومحو الهوية.
اكثر البلاد التي تتعرض للغزو من دولة ما يُطبق عليها مشروعٌ دُرس سابقاً كي يسري مفعوله في المستقبل، فتدرس الدولة الغازية دين الشعب ومذاهبه ونفسيته ومدى تجذر روح القبيلة والبدائية كي تتمكن من السيطرة عليه، ولكل حالة من الحالات السالفة الذكر تجعل لها دراسة لثقب أوانها، فاذا كان الدين تدين له الشعوب وتبني بنيانها عليه ليكونوا بنياناً مرصوصاً ضد الغازي، فأول انطلاق الدولة الغازية يبدأ بالولوج داخل الشعب المغزي لتدرس حالته وكيفية تفكيكه من هذه الشبكة التي تتغذى من قاعدة خرسانية، فترسل موظفيها يدرسون لغة الشعب ومن ثم نفسيته وروح القبيلة المتجذرة في اكثر الشعوب الشرق أوسطية لاسيما العربية ثم دينه على يد علماء الدين كي يكشفوا نقاط ضعفه ويجادلون بها حتى يفككوا الدين إلى مذاهب والقبائل إلى احزاب بدائية اذا صح التعبير لتحلق في سماء الصراع ولغة التخوين لبعضها البعض ويخلقون قواعد لهذه الحالات تتماشى مع سياستهم. وهكذا تدخل في روح الشعب على يد بعض شيوخ القبائل الذين يدينون بالولاء اليها وبعض علماء الدين المرتزقة والذين تلبسهم الدولة الغازية عباءة الدين والعادات والتقاليد وتزدريهم منهجها.
فالذات المثقفة هنا أشبه ما تكون بالطبيب الذي يكتب الوصفة للمريض ويعالجه، ترصد ما يطبق عليها من سياسة وتشرع في الغوص في بحر ما يحاك ضدها، يظهر داء الغازي بعد احساسها به فتعالجه بخطة نقيضة، أي قبل أن تدخل في أي عمل تدرسه ثقافياً وسياسياً واجتماعياً لاسيما مردوده الايجابي أو السلبي عليها. فعلى سبيل المثال دائما تكون الدولة الغازية تظمأ لمحو الهوية، فتحاول أن تحنث وتمحو الهوية بتغيير العمران أو أسماء المدن فتزدري ثقافته وتتقيأ ثقافتها، وهنا صخاب الذات المثقفة تستيقظ الشعب من سباته وتزرع الارتياب في قلبه وتعلمه مأربه، فتكتب بقلمها وتجهر بصوتها وتنزل في الشارع كي تزرع الحنق وتظهر على شاشات التلفاز لتبين فحيح صوت الغازي كي يصبح المطلب شعبياً تستند إليه.
وبالتالي الذات المثقفة هي الأرض الخصبة لزراعة القمح التي تجعل آلة الحرث؛ قلم المثقف ولسانه ودوره الميداني وتقسيم عمله يطعم الشعب خبز الحرية وعمل الدولة الغازية يضاهي غبار القمح عند نثره يذهب هباءً منثوراً.


 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث