جريدة الشاهد اليومية

السبت, 24 ديسمبر 2016

الحاجة أم أحمد وشجرة الميلاد

تجاوزت والدتي الحاجة أم أحمد الخامسة والثمانين، أطال الله في عمرها، وأمدها بالصحة وأدام عقلها المنفتح وهمتها الشبابية وعاداتها الجميلة التي تعوّدنا عليها منذ طفولتنا، ومنها تزيين بيتنا في مدينة صور بشجرة الميلاد التي سألت عنها الأربعاء الماضي فعلمت أنها في المكان الذي تتواجد فيه كل عام.
كنت في الصف الأول الابتدائي، أي في السادسة، عندما كان المرحوم والدي وهو ينتمي إلى عائلة مسلمة سنية من مدينة صيدا عاصمة جنوب لبنان، كان يعود أواخر كل عام من أحد البساتين التي يعمل فيها، حاملا فرعاً من شجرة سرو أخضر نضر، تعده الوالدة المسلمة الشيعية من جبل عامل، وتضعه في إحدى زوايا غرفة الجلوس على قاعدة تصنعها له.
لم يكن في الشجرة مصابيح تضيء وتنطفئ لأن مثلها لم يكن موجوداً آنئذ، وربما لأن الكهرباء غالية، لكن الشجرة على تواضعها كانت تضفي جواً مميزاً وتحمل البهجة والفرح لنا نحن الأطفال.. فهي مزينة بتفاح أحمر، وتحتها تين مجفف وجوز ولوز وزبيب.
ومع السنوات، أصبحت ألاحظ أن الوالد يحمل أكثر من غصن، يوزعها على الجيران الذين كانوا يطلبونها منه، ما يشعر أم أحمد بالبهجة لأنها السبب في تعميم شجرة الميلاد في الحي.
مع السنوات كبرنا وتوزعنا في أماكن الله الواسعة، لكن أم أحمد لم تتخلَّ عن عادتها في بيت العائلة، ومازالت مثابرة على نصب شجرة الميلاد، الفرق أنها أصبحت اصطناعية، مضاءة بالألوان والزينة، يلتف حولها بدلا من أولادها، أحفادها وأولادهم وأحفادهم، فتنتشي بالحبور والرضا من جَمّعتهم حولها، ومن الفرح الذي تصنعه لهم.
مضى ستون عاماً، نصبت خلالها أم أحمد ستين شجرة ميلاد، أحضر عددا منها
أبو أحمد حتى انتقل إلى رحمته تعالى. ولم أسمعهما يوماً يتحدثان، ولو من باب الشك، عن حلال أو حرام في ما يفعلان رغم التزامهما القوي بالدين صلاة وصوماً وزكاة وبقية العبادات والواجبات وتربيةً لأطفالهما.
لذا أستغرب ممن يحرّمون شجرة الميلاد اليوم. فهل يريدون أن أشكك بصحة إيمان والديّ، خصوصاً أن أبي كان من أوائل حفظة القرآن في مدينة صور،  وأمي حجت واعتمرت وزارت، ولم أسمع منهما أن الفرح والسعادة للصغار والكبار محرم؟
هل يريد دعاة التحريم حرماننا من سماع تراتيل الميلاد الجميلة بصوت فيروز يصدح منتصف ليل الرابع والعشرين من ديسمبر فنحلق معها في سمو الخلق وبهجته؟!
لنترك المشاعر، ونذهب الى السياسة، فهل يريد هؤلاء أن يستسلم أهلنا في فلسطين للاحتلال الإسرائيلي، فيتوقفوا مسيحيين ومسلمين، عن نصب شجرة الميلاد في كنيسة المهد، ، يفعلون ذلك معاً إيماناً  بوحدتهم وتحدياً للاحتلال وتمسكاً بالأرض التي بنيت عليها الكنيسة في موقع ميلاد السيد المسيح في بيت لحم؟!
هل يريدون أن نتوقف عن اعتماد الفرح بين وسائل مقاومة الإرهاب لنعيش في تورا بورا كما يحلمون ويسعون، فينتعش الإرهاب ويقوى ممارسوه؟!
علّمنا أهلنا أن الإسلام نور، وأن الدين هو ما أنزله الرحمن على رسله ينشرونه بين الناس، وليس الخزعبلات والخرافات يفصّلونها على مقاسات مصالحهم ثم يرفعونها من الأرض إلى السماء ويجعلونها ديناً يغلّفون به مصالحهم، وهذا ما يفعله سارقو الفرح، صانعو الشر والكراهية، قتلة الأبرياء.
شجرة الميلاد ليست حكراً على دين، إنها نتاج للحضارة والإنسانية، وجميع الناس يستحقون الفرح، حتى أولئك الذين
لا يقدّرونه، ويحاولون مصادرته وحرمان الآخرين منه.  كل الناس بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم يحتاجونه لتكون الحياة أجمل، ويحتاجه أكثر العرب والمسلمون في ظروفهم المقيتة الآن، فكلما تزداد نسبة الفرح، تتقلص مساحة الإرهاب، ويتأنسن الإرهابيون ويتناقص عددهم وتتضاءل دوافعهم.
ميلاد مجيد وعام جديد سعيد لوالدتي ولكل من يصنع الفرح ويعيشه، أو يتمناه ويتوق إليه.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث