جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 20 ديسمبر 2016

جَلْبُ حَلَبْ

قطعتُ عهداً على نفسي أن أكتب كل ما هو مفيد في هذه الزاوية، ولكن أحياناً أجد نفسي مضطراً إلى الحديث عرضاً عما يدور حولنا من أحداث طارئة، ففي الأسبوع المنصرم تعرضت حلب لكارثة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وبغض النظر عن المتسبب وبعيداً عن السياسة اللعينة، التي تناحر من خلالها المتناحرون وتقاتل من أجلها المتقاتلون وأُخِذَ الصغير بالكبير والحُرُّ بالعبد، فلم يكن حصادها إلا نساءً أيامي وولداناً يتامى.

وما أرمي اليه في مقالي هذا، ليس ما حدث في حلب، فنحن الشعوبَ لا نملك من أمرنا شيئاً سوى الدعاء والتضرع إلى المولى أن يعينهم وينجيهم، وهذا أضعف الإيمان، أما من الناحية المادية والفعلية فليس أمامنا سوى التبرع والمساعدة لاغاثة المنكوبين والمتضررين.
نعم، إن السخط والغضب والاستنكار والتظاهر والمسيرات والاحتجاجات، ما هي إلا وسائل تعبيرية للشعوب العربية والإسلامية لم تغيّر من واقعنا شيئاً، فان كان ثَمَّ تغيير فسيحدث بمعجزة إلهية أو من خلال بروتوكولات حكماء الأمة، فما نحن إلا أحجارٌ على رقعة الشطرنج، وها نحن نشجب ما يحدث في كثير من بلداننا ولم يتغير شيء، ها هي فلسطين شارفت قضيتها على ثلاثة أرباع قرنٍ من الهوان والمذلة والغصب والاغتصاب، وها هي الأحواز العربية مستباحة، وها هو عراق الرافدين يستنزف، وها هو اليمن السعيدُ صار حزيناً، وها هم مسلمو بورما غدوا مضطهدين مستعبدين، في النهاية ماذا فعلنا حيالهم جميعاً؟ لا شيء سوى المظاهرات ورفع اللوحات والشعارات والخطب الرنانة والمنبريات الزاعقة والعنتريات الخاوية.
ما أرمي اليه، هو الكشف عن حقيقة ما رأيت وما سمعت وما قرأت في الأوساط الكويتية تحديداً من ردود أفعال حيال ما حدث هناك، وكالعادة هناك معسكران: «مؤيدٌ ومعارض» وما لم يكن مستغرباً أبداً أن كفة المعارضين لما يتعرض له الشعب السوري كانت الأثقل، ولكن المستغرب بل والمستنكر أيضاً أن المؤيدين القلة كانوا مستفزين فعندما ينعق «طبيب عيون» وهو يرقص على جراح الناس محتفلاً احتفال المنتصر، غير مكترث لمئات ملايين اللترات من الدماء التي سالت، فنحن أمام اضطراب، وعندما يأتي «محامٍ» يدّعي الإنسانية والدفاع عن حقوق الإنسان ورسالته الأسمى نصرة الضعيف، فيهلل مبتهجاً ومباركاً لتطاير أشلاء البشر ولتقطع أوصالهم ولقتلهم وتشريدهم ويدوس بقدميه على الإنسانية وهو يترنم على أنين آلامها، فنحن أمام خلل كبير، وبين هذا وذاك تجد الآخرين يهتفون ويرددون، يشجعون ويصفقون، لا يسمعون إلا أصوات شياطينهم تناديهم «هل من مزيد؟» لتكبر النار التي أوقدت حطبا،
نحن فعلاً أمام مشكلة حقيقية.
يقول المولى جل وعلا في محكم التنزيل «فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا»، وتأجيج مثل هذه المواضيع لا أجد له تفسيراً سوى أنه مرضٌ في القلوب كما أخبر الله جل في علاه، وما هو إلا خنجر مسموم في خاصرة الوطن.
اننا في الكويت لسنا بحاجةٍ إلى «جَلْبِ حَلَبْ..» لسنا بحاجةٍ إلى استيراد مشاكل من الخارج، سواء كان ذلك الخارج عربياً أو مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، أو كان بوذياً أو ملحداً.
نعم، نتفاعل وفق المزاج العام والتوجه الغالب، ونوازن بين الكفتين بوعي ومواءمة ومسؤولية، ولكننا لسنا مجبرين على أن ندفع دفعاً إلى نعرات طائفية أو فئوية مقيتة بين أفراد المجتمع، تتمزق معها وحدتنا الوطنية ويتهرأ نسيجنا الاجتماعي، فتلك حربٌ حفظنا الله من أهوالها، كما قال عمر بن عبدالعزيز عن زمن الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما: تلك فتنة عصم الله عنها سيوفنا، فلنعصم عنها ألسنتنا. فمن أراد أن يتكلم فليقل خيراً أو ليصمت.
لذا أجد نفسي ملزماً أن أصدع بها كلمة حق أساءل عنها «يوم يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه»،  فما يقوم به هؤلاء ما هو إلا فتنة نسأل الله أن يقينا شرورها ومحدثاتها، ويجب وأدها قبل أن تستفحل لتحصدنا واحداً تلو الآخر وعندها لا ينفعنا أن نقول: ليت الذي قد كان ما كان، ودرءاً لهذه الفتنة يجب محاسبة أمثال هؤلاء ومن يتشدد لهم ومن يقف وراءهم حساباً عسيراً، وذلك بتفعيل قانون حماية الوحدة الوطنية كي يكونوا عبرةً لمن يعتبر.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أكرر كلمات سيدي حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه «تبصروا فيما يحدث غير بعيد عنا، ولنحمد الله على ما أسبغ علينا من نعم الأمن والأمان والاستقرار والسلام والطمأنينة والهدوء، والعيش الكريم».
حفظ الله الكويت وأميرها وشعبها من كل مكروه.

ضرار السليم

ضرار السليم

عين «الشاهد»

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث