جريدة الشاهد اليومية

السبت, 17 ديسمبر 2016

وسقط التقسيم

حفلات الزار «نصرةً لحلب» معروفة الدوافع مكشوفة الأهداف. آخر ما يعنيها طرد العفاريت، بل هي تستحضرها بتأجيج طائفي يشعل المزيد من النار ويلتهم المزيد من البشر والحجر.

القوى التي تنظم هذه الحفلات وتتعهدها -ليس المقصود طبعاً المشاركين فيها. فكثيرون منهم مثاليون تحركهم دوافع التضامن الانساني الحقيقي- تلك القوى تعرف أن عودة ثاني المدن السورية الى الدولة طعنة استراتيجية كبرى لها، ولمشاريع التقسيم والتفتيت، خصوصاً أنه سيتبعها قريباً تحرير الموصل وعودتها إلى الدولة العراقية.. وبذلك تفقد القوى الظلامية أهم موقعين لها في المشرق العربي وتُمنى بأكبر هزيمة تحجّمها، وتحولها إلى مجرد فلول وعصابات وخلايا إرهابية معزولة. هذا الألم الناتج عن الخسارة الكبرى هو الدافع الأساسي للصراخ من استانبول إلى عواصم عربية محدودة العدد. وليس هناك عربي حريص أو مسلم أو إنسان من أي دين لا يتعاطف مع مأساة حلب وسوريا كلها والعراق واليمن وليبيا. وهو يريد أن تبقى هذه البلدان موحدة.
أما الهدف الحقيقي فليس بالتأكيد حلب فهذه قد سقطت ولم يعد البكاء على الأطلال ينفع، بل هو اختبار مكشوف للقوة، وقياس قدرة القوى المتأسلمة على التعبئة والحشد استعدادا للدخول في مواجهات في أماكن أخرى غير سوريا والعراق.يصرخون ضد روسيا، ويقدمون الخدمات الجليلة للثلاثي الأميركي - الإسرائيلي- التركي.
أما الأصوات الليبرالية، بما فيها وسائل الإعلام التي تقدم نفسها بهذه الصفة هنا وهناك، فهي تبتلع الطعم مرة جديدة، فتؤكد عجزها أو قصورها، ليس فقط عن الفعل، بل وقبل ذلك عن الفهم. تعتبر «أن الأسد يربح حلب ويخسر سوريا»، في استعادة هزلية مشوّهة لمعادلة المغني الشعبي الثائر الشيخ إمام عندما صرخ في مواجهة كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل «يا خوفي من يوم النصر، ترجع سينا وتروح مصر».
ينسى هؤلاء «الليبراليون» أن التنظيمات الإرهابية التي تقاتل في حلب وسوريا كما في الموصل والعراق ليست في موقع صراع أو مواجهة مع إسرائيل، لأن فلسطين بما فيها القدس، لم تكن يوماً جزءاً من استراتيجيتها ولا حتى في تكتيكها ولو من باب ذر الرماد في العيون.
ليس مفهوماً كيف تقع قوى تسمي نفسها ليبرالية في مستنقع التأجيج الطائفي، وصب المزيد من الزيت على نيرانه! وكيف يغيب عنها أن ما فرضته قوى التخلف والإرهاب على السياسة والمستقبل في العالم العربي ليس خياراً بين الحسن والأحسن، إنما بين السيئ والاقل سوءاً.
المنظمات التي سيطرت على حلب قبل أربع سنوات، هي أساساً تنظيم القاعدة وغيره عشرات المنظمات الإرهابية والمتطرفة وعصابات مرتزقة من أوروبا وأميركا وأنحاء الأرض. أما الليبراليون السوريون والمناضلون من أجل الحرية والكرامة أو المعارضة المعتدلة فقد اضطهدهم هؤلاء، وفرضوا عليهم الانضمام إليهم أو الهرب، فهم الآن موجودون في المكاتب خارج سوريا، في أوروبا وأميركا، لا في ساحات القتال التي تركت لأشد التنظيمات رجعية وتطرفاً وإرهاباً، وهذه حكماً لا تؤمن بتلك الشعارات النبيلة والمحقة.
بتحرير حلب، يكون النظام السوري قد استعاد «سوريا المفيدة» أو «قلب سوريا» أي المدن الخمس الكبرى الغنية اقتصادياً والكثيفة بشرياً وعمرانياً، فسقطت بالتالي خطة أميركا وإسرائيل وتركيا التي تنفذها المنظمات الارهابية لتقسيم سوريا والعراق، إلى كيانات طائفية صغيرة لا حول لها ولا قوة، تبرر الكيان العنصري في إسرائيل.
كما أنها أطلقت يد السلطة المركزية استعداداً لمعركة إدلب، وهي مع الرقة آخر مواقع مهمة تحت سيطرة داعش وبقية الفصائل الإرهابية.

د. أحمد طقشة
 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث