جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 13 ديسمبر 2016

أبو وضاح والغواصات !

كان لي صديق بعمر والدي، في صدره قلب طفل وحماسة شاب، عشقه العدل والمساواة بين الناس قاده إلى الاشتراكية، ومنها إلى نصير متحمس للاتحاد السوفياتي، وربما أسعفه القدر أنه رحل قبل أن يعيش سقوطه لأنه لم يكن النموذج الأمثل للحلم الذي عاش 80 عاماً من أجله.
ذهب أبو وضاح مرة ضمن وفد إلى باريس، وعندما كان يتمشى في شوارع عاصمة النور، شاهد شباباً وشابات يتبادلون العناق والقبل علانية وأمام الناس حتى طفح الكيل به، فانطلق يشتم «الأفعال الفاضحة» و«قلة الأدب والانحطاط»، واستنتج من ذلك «أن الرأسمالية ليست فقط تدمّر حقوق الناس بل أخلاق المجتمع أيضاً، وهذا الفسق العلني هو الدليل على بشاعة الرأسمالية وانعدام أخلاقها».
من باريس، انتقل الوفد إلى موسكو، قبلة أبي وضاح وعاصمة الدنيا بالنسبة له. هناك أيضاً يتعانق الشبان والفتيات ويتبادلون القبل في الأماكن العامة، توقع الجميع أن تكون المشاهد صدمة لزميلهم وأن يكون رأيه فيها مطابقاً لرأيه في ما رآه في باريس، لكن أبا وضاح فاجأهم بتفسيره: «انظروا ماذا تصنع الاشتراكية بالناس. تجعلهم يحبون بعضهم، تزرع فيهم الحنان والمحبة، وهم يتفاخرون بهما، ولا يتحرّجون في التعبير عنهما علناً».
ما فعله أبو وضاح تكرره وسائل إعلام ناطقة باسم إيران أو قريبة منها بشأن صفقة
3 غواصات ألمانية إلى إسرائيل، لكن الحكاية مع الأول طرفة ومع الثانية مأساة، لأنها تجعل الإعلام وسيلة تضليل.
اعتبرت تلك الوسائل الصفقة «خرقاً إيرانياً» لأمن اسرائيل، و«صدمة إسرائيلية من يد إيرانية»، وصولاً إلى أن هذه  اليد «تزلزل طاولة القرار الإسرائيلي»، ذلك كله دون أي قرينة أو إثبات سوى أن لإيران أسهما في الشركة الألمانية المصنعة للغواصات.
إنها مجرد صفقة تجارية بين الشركة الالمانية ولا علاقة لايران بها. ملكيتها فيها قديمة تعود إلى عهد الشاه انخفضت من 7.5 ٪ الى 4.5 ٪ بضغط أميركي واخرج بالتالي ممثلها من مجلس الادارة.
تلك معلومات منشورة في الشبكة العنكبوتية ومتاحة لأي كان، فكيف بالنسبة للموساد الإسرائيلي وهو من اكفأ أجهزة المخابرت في العالم؟!
منطق الحماس الزائد والانتصار الانشائي يعني أن إيران على علم بالصفقة وأعطت الضوء الاخضر لاتمامها أو سكتت عن ذلك ولم تعترض لسببين:
الأول أن تكون الصفقة مدخلا لمعرفة أسرار عسكرية إسرائيلية وهذا مستحيل لأن المساهمة الإيرانية مكشوفة ومعروفة
ولا تخولها الاطلاع على أسرار الشركة، وغير ذلك يؤدي إلى افلاسها.
أما الاحتمال الثاني، فإن إيران التي تعرف أن تل أبيب تعرف، قد تكون أرادت أن تبعث للدولة العبرية برسالة عن استعدادها للتعاون.. وأن مبالغة وسائل إعلامها وتضخيمها الكسب الإيراني إنما الغاية منهما حجب هذه الحقيقة بالذات.
لا داعي للبحث كثيراً عن الحقيقة الضائعة!
 


 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث