جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 06 ديسمبر 2016

«حرب عصابات» حتى آخر سوري!

أكثر العرب لا يتعلمون. لا عِبرة من الماضي، ولا درساً من الحاضر. فيأتي المستقبل من سيئ إلى أسوأ، يصنعه سياسيون عاجزون عن رؤية المصالح الحقيقية لأوطانهم وشعوبهم، تُزين لهم «بوقيةٌ» تعطل عقول النُخب وتشوه الإعلام ودورهما الريادي والتنويري، فينتج كل هذا مزيداً من الجنون يتجسد الآن في الدعوات لحرب عصابات في حلب.
ليست الدعوة لهذا النوع من الحرب، بينما توشك معركة الشهباء على النهاية، مجرد دموع تماسيح تذرف كذباً بل غايتها إبقاء نار الأزمة مشتعلة. إنها «طفولة سياسية» إذا حسنت النوايا -وهذا مستبعد- لأن جهنم مبلطة بأصحاب النوايا الحسنة. هي في جوهرها تحريض على القتل حتى آخر سوري، واستكمال تدمير سوريا حجراً وبشراً وركائز دولة. إنها باختصار، دعوة شريرة للانتحار.
لا ينطلق رفض هذا النوع من القتال، والذي هو مواصلة للحرب الأهلية بوسائل أخرى، من فذلكة الظروف الموضوعية والذاتية المهيأة أو غير المهيأة، إنما من موقف مبدئي يرفض أساساً، استخدام العنف والسلاح والحروب في الخلاف بين المكونات المجتمعية للدول العربية مهما سمت الأهداف وكانت المطالب مشروعة ومحقة، واشتد الصراع بشأنها. فمحاولات التغيير بالعنف، إن جاء بغزو خارجي كحالة العراق وليبيا، أو بصيغة حرب أهلية كما حدث في لبنان سبعينات القرن الماضي، ويحدث الآن في اليمن وسوريا، لا يمكن أن تنتهي إلا بالموت والتشرد والخراب، وحال البلدان الخمسة شاهد صارخ على هذا الاستنتاج.
الحروب الأهلية لا تنتهي بمنتصر ومهزوم. كل المشاركين فيها خاسرون. التجربة تثبت أن التغيير بالعنف غير ممكن، وإذا حصل بقوة التدخل الخارجي الذي أسقط النظامين العراقي والليبي، فنتيجته كارثية، لأن النظام الجديد يأتي تابعاً وعاجزاً عن إعادة بناء البلد الذي يبقى كسيحاً، وفي حالة حرب أهلية دائمة.
كما لا يمكن لسلطة، مهما كان جبروتها، أن تدّعي الفوز على شعبها وخنق مطالبه في الحرية والكرامة ورفض التسلط والاستفراد بالحكم، وإبعاد الآخر المختلف وقهره. فمطالب من هذا النوع المصيري
لا يمكن أن تموت، تبقى ناراً تحت الرماد، تشتعل في كل وقت وزمن حتى تتحقق وتصبح واقعاً.
أما القوى المدعوّة لإطلاق حرب عصابات، فمجموعات صغيرة منها معتدلة، تضم مناضلين حقيقيين تحركهم المثل للوطنية والإنسانية والمستقبل الأفضل لسوريا، لكن مثل هذه المعارضة أصبحت هامشية جداً، أما أغلب تلك القوى فمنظمات إرهابية عمودها الفقري «النصرة» التابعة «للقاعدة»، وجماعات مسلحة فرختها بالعشرات تركيا ودول عربية، جندت فيها الإرهابيين والمرتزقة والمجرمين من المنطقة كما من بلدان أجنبية كثيرة. جماعات في جوهرها وآيديولوجيتها معادية لكل طموح نبيل يريده الشعب السوري، وهدفها الحقيقي إسقاط دولته ومؤسساته المدنية والعسكرية، والوطن السوري نفسه، لإقامة دولة داعشية وطالبانية نموذجها دولة البغدادي.
لا حلول سهلة لواحدة من أعقد الأزمات العالمية في عصرنا. ولكن من المؤكد أن حلها لا يمكن إلا سلمياً، على أساس سوريا دولة علمانية غير طائفية لا استحواذ فيها ولا إلغاء تصون حقوق جميع طوائفها وأعراقها.
 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث