جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 29 نوفمبر 2016

شعوذة الإعلام!

يعرف المعلقون الأذكياء أن التنبؤ غير ممكن في الإعلام، لكن بعض الزملاء في أيامنا
لا يستطيعون تجنب هذا المرض، وينقلونه إلى «الميديا» علّ وعسى يصيب منهم توقع فينقلهم إلى خانة المشاهير، كما يفعل العرافون، لا يهمهم التلاعب بالعقول، أو حتى تحقير أدوارهم.
هذه الممارسة الغريبة عن دور الإعلام في نشر الحقائق والتعليق على الوقائع والمواقف، أصبحت تعاني منها كثرة من صحف العالم، وانتقلت على نحو مشوّه إلى الصحافة العربية، خصوصاً اللبنانية، في محاولة لمعالجة أزمتها واسترجاع ما يمكن من القراء. وبلغت حداً لافتاً مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، والعماد ميشال عون باللبنانية. في العالم يتعاملون مع التنبؤ كأحد أبواب التسلية والامتاع، لكن بعض الصحافة اللبنانية ربطته بمواقف سياسية مؤذية للبنان، مسّت سيادته،وللرئيس الجديد، لأنها تشكك باستقلاليته.
بعد فوز ترامب، انتشرت معلومة أن المسلسل الكرتوني الأميركي «سيمبسون» تنبأ بفوز ترامب قبل 16 عاماً، وتحديداً في حلقة بثت العام 2000، عممتها مواقع التواصل الاجتماعي، وعمدت مطبوعات مرموقة إلى اعتمادها غلافاً.
اعتبر البعض الأمر حقيقة. وربطه آخرون بتخطيط مسبق للأحداث العالمية، تصنعه حفنة خفية مخابراتية أو ماسونية أو مجمعات صناعة الأسلحة والمال. قليلون انتبهوا أن شخصية سيمبسون الذي جسّد ترامب نُشرت في السابع من يوليو العام الماضي وليس قبل 16 عاماً، وكان ترامب قد ترشح للرئاسة منذ 15 يونيو، أي قبل بث الحلقة بثلاثة أسابيع، وبالتأكيد لن يكون صعباً على منتجي المسلسل المحترفين تقليد حركات ترامب وسط حشده الانتخابي الذي التقط صوراً بهواتف آيفون الذكية، وهذه لم تصنعها شركة أبل سوى في العام 2006.
«الاندبندنت» اليومية و«ديلي اكسبرس» الأسبوعية البريطانيتان، ذهبتا أبعد من ذلك، واعتبرتا فوز ترامب تحقيقاً لنبوءة توقعها المنجم الفرنسي نوستراداموس في القرن السادس عشر، أي قبل مئات السنين، ودليلاً على اقتراب نهاية العالم. وذهبت «النهار» اللبنانية في المنحى نفسه وترجمت عنهما.
وسائل الإعلام أدوات تنوير أساساً،والامتاع أحد أدوارها الجانبية.حال العرب البائس جعل قارئي الطالع والمنجمين نجوما، رغم الخيبات والمطبات الكثيرة التي يقعون فيها. كما حصل مع العرافة اللبنانية السيدة ليلى عبداللطيف التي تقول أن كثيرين من المسؤولين العرب وشخصيات سياسية واقتصادية واجتماعية يلجأون إليها لمعرفة مستقبلهم، توقعت فوز سليمان فرنجية أو جان عبيد في لبنان، وهيلاري كلينتون في أميركا، فأخفقت هنا وهناك.
ربما مثل هذه البرامج تسطح تفكير المتلقي، وتبعده عن قضايا جوهرية. لكنها في النهاية تسليه.
المشكلة في التبصير السياسي الذي يسعى غالبا لتمرير مواقف مسبقة منحازة لفكرة معينة، بغض النظر عن عدم صدقيتها وعمّا تحمله من إساءة وضرر. أبشع نماذجه محاولات التنجيم في الصحافة اللبنانية المستمرة منذ انتخاب عون رئيساً. ومحورها التساؤلات شبه اليومية «عمّن التزم للسعودية بسرقة عون من المحور؟» والمقصود المحور الإيراني
- السوري- حزب الله، ليتواصل التنجيم بأن الأخير «مطمئن لأن الرياض لن تنجح باجتذاب عون!»، ناهيك عن أن فوزه هو انتصار «لخطنا» و«محورنا»! مقصود بنون الجماعة هنا الثلاثي الوارد أعلاه.
يتجاوز هذا النوع من التنجيم حدود الإمتاع والتسلية، فهو إساءة خالصة للبنان السيد المستقل ولرئيسه، حينما يضعه بخفة في هذا المحور أو ذاك بدلاً من أن يكون رئيسا لشعب مرفوع الرأس بعزته الوطنية.
يفسد الإعلام عندما يكون تابعاً وعندما يستسهل الإعلامي الشعوذة والسحر بدل الحقيقة.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث