جريدة الشاهد اليومية

السبت, 26 نوفمبر 2016

دولة كسيحة أخرى!

سوريا، البلد، الشعب، الناس، جرح غائر وألم. أهلها الطيبون أهلي وأحبتي، فرحت عندما هتفوا بالحرية والكرامة. فهم شعب كريم مقدام يستحقهما.

أثناء الغزو الإسرائيلي لبلدي لبنان صيف 1982 واحتلال بيروت، تلقى العاملون في جريدة «النداء» وأنا منهم، تعليمات بإخراج زوجاتهم وأطفالهم من العاصمة، وبقاء الرجال لضمان استمرار الصدور دون أعباء وهموم عائلية. ولأن زوجتي كانت حاملاً في الأشهر المتقدمة لم يسمح الطبيب بسفرها الى تشيكوسلوفاكيا حيث درسنا، ولأن مدينتي صور الجنوبية أصبحت محتلة، رفضت هي الذهاب الى أهلي هناك كي لا تشاهد الجنود الإسرائيليين. بقيت دمشق، وإليها ذهبت سميرة مع أسيل التي كانت في الثانية من عمرها.
عندما أزف الوقت، تلقيت برقية للحضور فوراً ونقلنا سميرة الى مستشفى لم أعد أذكر اسمه. استمرت الولادة نحو ست ساعات حتى أبصر طارق النور. خرج الطبيب منهكاً وطمني باسماً: «مبروك ولد، الأم سليمة والطفل خرج بصعوبة لأنه كان طويلاً».
عندما حان وقت الخروج والعودة الى منزل العائلة التي استضافتنا، تقدمت الى الصندوق للمحاسبة ردت الموظفة: «لا شيء»، فوجئت وطلبت الطبيب لأعرف ماذا يجري.. كرر: أبداً لا شيء. الحمد لله على سلامتهما. هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لإخوة لبنانيين في محنتهم.
لم نكن قد التقينا أبدا ولا نعرف بعضنا. لم يسألني عن ديني أو مذهبي. ولم اسأله طبعاً سوى عن اسمه. عرفت لاحقاً انه خريج فرنسا، مسيحي من بلدة معلولا، البلدة الوحيدة في الشرق التي ما زالت تتحدث لغة السيد المسيح. نهبها إرهابيو المنظمات الإسلامية. حلم الكرامة والحرية التي شارك كثيرون السوريين فيه عندما هتفوا به، صار أبشع مآسي العرب عندما حُوِّلت الحركة السلمية أو تحولت الى حرب أهلية مسلحة. نتائجها مرعبة، وضعت مصير سوريا. كياناً ودولة وشعباً على محك أن تبقى أو لا تبقى.
لم تكن سوريا يوماً بلداً منقسماً دينيا أو مذهبياً. وهي البلد العربي الوحيد الذي حكم فيها رئيس وزراء مسيحي، وآخر كردي. في هذه اللحظة يعاني السوريون جميعاً من نار الحرب الأهلية ونتائجها المرعبة.
نصف مليون قتيل، 200 ألف مفقود لا يعرف عنهم شيء. 300 ألف معتقل في سجون الحكومة أو داعش وبقية التنظيمات الإرهابية. 12 مليونا هُجّروا من منازلهم تعيش أغلبيتهم في مخيمات البلدان المجاورة في ظروف غير إنسانية، وجزء منهم ركب أمواج الرعب والموت مهاجراً الى أوروبا وأميركا واستراليا. مليون طفل لم يذهبوا الى المدارس طوال خمس سنوات فصاروا أميين، عدد المسيحيين تراجع من مليونين الى 100 ألف نسمة في أسوأ الأحوال، ونصف مليون في أحسنها، نصف الشعب السوري تصنفه الأمم المتحدة ضحايا. عرباً، أكراداً، أرمن، مسلمين، مسيحيين، سنة، علويين، شيعة.
في سوريا مأساة إنسانية، لا مأساة دينية أو طائفية. تقسيم الناس الى قوميات ومذاهب، كرّسته المنظمات الإرهابية. وهذا نتاج أجندة سياسية في دهاليز حكومات ومخابرات الغرب وإسرائيل لأهداف سياسية محددة. انضمت اليها تركيا، وبلع بعض العرب الطعم.
الحروب الأهلية في لبنان والجزائر واليمن أرهقت جيوش بلدانها، الغزو الأميركي للعراق أزال جيشه من الوجود. عدوان الاطلسي والحرب القبلية دمرا الجيش الليبي، ففقدت أحد أهم مقومات وركائز وجود الدول وهو المصير الذي يراد للجيش السوري الآن.. وسيدفع العرب جميعاً الثمن.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث