جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 15 نوفمبر 2016

انتخاب الصورة لا الشخص!

كُثر أولئك الذين أصابتهم ضربات متفاوتة أثناء الانتخابات الأميركية، أو تأثروا سلباً بنتائجها التي حملت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيساً.

هيلاري كلينتون تلقّت ضربة قاضية، لأن النظام الانتخابي الأميركي أعدمها سياسياً. حصلت على ربع مليون صوت أكثر من منافسها الذي احتل المكتب البيضاوي بأصوات أغلبية المندوبين، ما أظهر مجدداً الخلل الكبير في النظام الانتخابي نفسه، البعيد عن تأمين الأوزان المتساوية، أو على الأقل المتقاربة لأصوات المواطنين.
أكدت الانتخابات التراجع الكبير الحاصل في تأثير وسائل الإعلام التقليدية، الصحافة المطبوعة، التلفزيون، الإذاعة، معظمها عارض ترامب بشدة. من مئات الصحف اليومية الصادرة في الولايات المتحدة لم تؤيده سوى صحيفتين، مقابل مئتين يومية بما فيها الثلاث الكبرى: «واشنطن بوست»،«نيويورك تايمز»،و«يو.إس، إي. توداي»، عدا القنوات التلفزيونية الأساسية، ساندت كلينتون وخاضت معركتها وكأنها ناطقة باسمها.
كلها دارت في حلقة تكاد تكون نفسها، ركّزت على عدم أهلية ترامب لقيادة أميركا، وانعدام خبرته السياسية، قصفته بأشد المواد الإعلامية فتكاً وإثارة، ورمته بما يمكن من قاذورات: كذاب، نصاب، غارق في الفضائح المالية والجنسية، متحرش، عنصري.
الجمهور لم يبلع الطُعم، فأتت النتائج مخيبة للإعلام ومرشحته. لو جرت الانتخابات نفسها قبل سنوات وتعرض مرشح لحملة إعلامية بهذا الاتساع والحدة، لكسرت ظهره حتماً، كما فعلت بالرئيس الأسبق بيل كلينتون زوج هيلاري قبل عشرين سنة. حينها، فرض الإعلام التقليدي على القضاء محاكمته بفضيحة جنسية، لم يُعزل لكنه أكمل بقية ولايته مكسوراً معنوياً، ولهذا السبب خسر نائبه المرشح الديمقراطي يومها آل غور الانتخابات الرئاسية لصالح الجمهوري جورج بوش الابن بمندوبي المجمع الانتخابي أيضاً.
فهم ترامب اللعبة جيداً، لأنه قريب من صناعة الإعلام، فاستخدم سلاحاً أثبت أنه أكثر قوة وفاعلية وإن كان أقل صدقاً وعمراً.
اعتبر الإعلام التقليدي خصماً «غير محايد»، ووجد المفتاح في وسائل الإعلام الحديثة تويتر وفيسبوك وآلاف المواقع الإخبارية، حيث كوّن جمهوراً من ملايين المتابعين والأنصار والمتلقين، خاضوا معركته في العالم الافتراضي، ودافعوا عنه، ونشروا أخباره، وروّجوا لحملته الانتخابية، امتلك جيشاً تكنولوجياً مهاجماً مزوّداً بوسائل الإعلام الحديثة، فاستطاع أن يحوّل مسار أي حدث ويجيره لمصلحته، ولو بالقليل من الحقائق، والكثير من أنصافها وحتى بالوقائع الكاذبة والأخبار المفبركة.
خلافاً للقاعدة الأساسية في الميديا الكلاسيكية، وهي الالتزام بالحقائق واعتماد التحليل والتقويم، فإن تلك الحديثة، خاصة التي يقودها شخص كترامب، لا تهتم بمصداقية ما تنشره ولا تراقب مدى صحته، المقياس الأساسي عندها هو الكم وإغواء المتلقي، وهذا ضغط كبير على الوسائل التقليدية لا تستطيع أن تقاومه، وأزاحها عن عرش احتكار الأخبار، والتأثير في الرأي العام.
وبما أن الناس مستعجلون دائماً، ويميلون لقبول الأخبار التي يريدون سماعها ويتجاهلون تلك التي لا يوافقون عليها، يستفيد تويتر وفيسبوك وبقية عائلة الشبكة العنكبوتية من هذا المستجد لنشر ما تستطيع من أخبار، ولا تراقب ما إذا كان الذي تقدمه حقيقة أم كذباً.
لاشك أن ترامب وفريقه استخدموا بحرفية عالية هذه الخصائص، ودعوا أنصارهم لعدم تصديق وسائل الإعلام التقليدية التي سماها «فاسدة»، نجح في تعطيل فاعلية الأخبار السلبية عنه، واستطاع أن يخلق «حقيقة موازية» ليس مهماً صحتها، حسب أستاذ الميديا غابريال خان من جامعة «ساوث» كاليفورنيا.
تتميز الحملات الانتخابية في أميركا، بأن الاميركيين لا ينتخبون الشخص بل صورته التي تصنع في مطابخ التأثير على الرأي العام، وتقدمها الميديا التقليدية.
انتخاب ترامب كشف أن هناك مروجاً جديداً صانعاً للرأي العام،وهو الميديا الحديثة الاقوى من التقليدية.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث