جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 11 نوفمبر 2016

11/11 والقرارات التاريخية في مصر

خطت مصر مع بداية شهر 11، أو نوفمبر، خطوات قاسية في  تاريخها الحديث كله، ليس منذ صعد السيسي رئيسا للجمهورية، وبعد سقوط الإخوان، الذين صعدوا في غفلة من الزمان، وعقب فوضى ما بعد 2011، أو ما عرف باسم «الربيع العربي»، عقب الاستيلاء على السلطة، حيث بدأوا بالبرلمان، ثم رشحوا رئيسا فاز بصعوبة وبالتهديدات بحرق البلد.
وفي الوقت الذي يترقب الجميع التاريخ الذي ضربه الإخوان لثورتهم الجديدة لاسترداد الحكم على أكتاف الغلابة، أو المتضررين من غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، أي يوم 11-11، كما دعت له الجماعة عبر محطاتها، أو أبواقها الاعلامية، التي تبث من تركيا، عبر الجزيرة في قطر، أو عبر الوسائط الاعلامية المختلفة، أو التواصل الاجتماعي، جاء الرد من الدولة عبر مؤتمر للشباب عقد بمدينة شرم الشيخ وانتهى إلى مشاركة الشباب في الكثير من القرارات، وتشكيل لجنة منهم لدراسة حالات المعتقلين السياسيين من الشباب، وتغيير واصدار قانون جديد للتظاهر، والحريات الاعلامية، ولم تكن هناك أي توقعات لقرارات اقتصادية جديدة تحمل الناس أي تبعات أو ارتفاعات في الأسعار حتى ينتهي التاريخ المضروب لثورة الغلابة المرتقبة من الجماعة، أو التيارات المعارضة، وانشغل الكل، حتى ان المحطات العامة والمتنوعة والخاصة جعلت من هذا التاريخ مادة للحديث والتكهنات: ماذا سيحدث؟ وكيف ستخرج الجماهير الغاضبة من كل أنحاء مصر لاقتلاع الحكومة والنظام واعادة الإخوان من المنافي والسجون لحكم البلاد؟ ووسط هذا المناخ الصاخب والتكهنات التي ما أنزل الله بها من سلطان اتخذت الحكومة المصرية قرارات اقتصادية، وصفت بأنها الأصعب في كل تاريخها، بل انها حقيقة هي الأدق، لا يجرؤ على اتخاذها الا أولو العزم من الأقوياء أو الصقور، الذين يتمتعون بشجاعة وجسارة نادرة كان أولها وأكثرها اثارة وتأثيرا على مجمل السياسات الاقتصادية، رفع الحكومة يدها عن دعم الجنيه أو العملة الوطنية وتركته منذ مساء 4 نوفمبر حرا للعرض والطلب بل تركت للبنوك هامش 10 ٪ للتحرك في السعر الذي يقره السوق للتنافس على جلب العملة والنقد الأجنبي وهذه من القرارات الكبرى التي لا تلجأ لها أي حكومة في ظروف مصر الاقتصادية الصعبة والمؤلمة، بل انها تمر بظروف دقيقة مواردها من العملات الأجنبية منخفضة للغاية خاصة موارد السياحة التي تضررت بظروف الإرهاب والفوضى عقب الثورات، واستنزاف موارد البلاد عبر 6 سنوات من عدم الاستقرار السياسي وانخفاض مداخيل الدولة ثم وفي أقل من عامين مع حكومة وانتخاب الرئيس السيسي تكون مصر قادرة على قفزة تحرير سعر الصرف بشكل كلي وليس طبقا حتى للأسلوب المتبع في السنوات الأخيرة من حكم مبارك عبر نظام التعويم الجزئي، والذي عبره حققت استقرارا نسبيا للسعر، وقد زادت السوق السوداء لجنيه واحد في البنك وآخر في السوق الحرة أو السوداء، إلى أن كان قرار التحرير الكامل للسعر في ظهيرة 4 نوفمبر 2016 قبل نهاية العام الحالي بأسابيع ليدخل الاقتصاد المصري مرحلة جديدة تماما تترك الحكومة عملتها الوطنية الجنيه للسوق الحرة غير خائفة أو مضطربة لانخفاض السعر أو انهيار العملة، بل ان الحكومة أو البنك المركزي بدأ بسعر أعلى للدولار بما اتفق عليه معظم الخبراء الذين قدروا أن يكون السعر بما لا يزيد على 12 جنيها للدولار، فبدأت الحكومة بسعر 13 ونصف ثم ارتفع التداول في نهاية اليوم إلى 14.50 جنيها للدولار وعملت البنوك طوال يومي الاجازة الجمعة والسبت بلا توقف وكأنها تقول للمتعاملين نحن جادون في ترك العملة أو الجنيه المصري حرا في الأسواق، وهذا القرار يخفض سعر الجنيه الرسمي لأكثر من 45 ٪ من سعره في البنك المركزي والذي لم يتعد 9.50 للدولار هذا القرار عجزت كل الحكومات المتعاقبة على اتخاذه أو جبنت في تحمل هذه المسؤولية الدقيقة، عملتنا الوطنية حرة لأول مرة منذ 60 عاما رسالة إلى أن الحكومة الحالية أو العهد الراهن لن يلجأ بعد الآن إلى الحلول الجزئية ولكنه في طريقه إلى الحلول النهائية لسعر الصرف لن ندعم الجنيه في التعاملات وعلى المصريين أن يحموا عملتهم عبر الانتاج وزيادة المنتجات والتقليل من الاستيراد واستهلاك السلع الصينية والغربية لأن أسعارها بعد الآن لن تدعم، ومن يريد أن يستهلكها عليه أن يدفع تكلفتها أو ثمنها بالكامل عملة أو جمركا، هذا قرار استراتيجي بالنسبة لأي بلد في العالم ولا يتخذ الا في ظروف طبيعية أو مرحلة قوة تمر بها البلاد وليس مرحلة مهزوزة أو انتقالية وهناك حرب على الإرهاب معلنة في سيناء، وعدو متربص بالداخل أو الخارج اسمه الإخوان يمارس كل الألاعيب لاسقاط الحكومة ودفع البلاد إلى الفوضى وعدم الاستقرار، ويتهم العهد الحالي بالفشل أو عدم القدرة على تلبية احتياجات البلاد، جاء القرار ليكشف بقوة أن العهد الحالي ليس ضعيفا ولا يخاف من أعداء الداخل والخارج ولكنه على اليقين بأن أغلبية المصريين معه وسيدعمونه، بل سيتحملون الغلاء وسيبنون البلاد والأهم أنهم سيغيرون من أنماط استهلاكهم.
هذا القرار كشف أن الحكومة الحالية والعهد الراهن برغم ظروف وقلاقل وأوضاع اقتصادية صعبة يتجهان إلى اقامة مشروعات قومية كبرى لا تتحملها البلاد القوية، فما بالكم بمجتمع أو بلد خرج منهكا وضعيفا من ثورتين و6 سنوات عجاف توقفت فيه البلاد عن الانتاج والعمل، فشقت قناة السويس الجديدة وقامت بتنفيذ أكبر شبكة طرق في طول البلاد وعرضها، بل تبني عاصمة جديدة ادارية لانقاذ العاصمة «القاهرة» المنهكة بالتزايد السكاني والنمو العشوائي، بل ان البلاد تربط سيناء بالدلتا والنيل عبر أكبر شبكة أنفاق تحت الأرض في ماضي وحاضر البلاد ووسط كل ذلك تعوّم العملة وتتركها للسوق الحرة وللمعاملات، أي جبروت تتصرف به هذه الحكومة التي لا تخشى أحدا، ويبدو أن عينها بالفعل على المستقبل فعلا، وتثق في الشعب إلى حد كبير  بل أكثر مما يتوقع أحد أو يراهن.
وقد سألني مراقب بعد قرار التعويم ماذا ستتوقع أن تلجأ اليه الحكومة بعد ذلك، قلت عليها أن تنتظر وتراقب ولا تقدم على شيء آخر حتى يهضم المجتمع الاصلاحات أو القرارات التي اتخذت ولم أذهب إلى سريري للنوم الا وفاجأني قرار جديد بتغيير أسعار البنزين، الحكومة تحصد من جيوب الناس وأصحاب السيارات 22 مليار جنيه بقرار آخر مفاجئ يزيد الأسعار 35 و45 ٪ عن الأسعار الحالية، قرار تصورت أنه مستعجل أو سريع وأن المجتمع سيتملل منه والمخاوف كثيرة، ولكن يبدو أن الرئيس وحكومته يراهنون على أن الشعب معهم، والحكومة أعطت لكل أعدائها والمتربصين لها قبل 11-11 الموعود لثورة الغلابة أو الفقراء كل الأسلحة للمزايدة أو الكروت الناجعة المؤثرة، وبالرغم من كل ذلك يبدو لي أن الرئيس والحكومة دخلوا في الرهان أو المباراة بين الفوضى والاصلاح قبل التاريخ الذي وضعه الفوضويون، وأنهم لم يخسروا فقط، بل ان الحكومة قامت أمام الرأي العام في الداخل والخارج ووضعت أقدامها بثبات على طريق الاصلاح والتغيير الاقتصادي الصعب والمؤلم، وأن الشعب قبل أن يسير معها برغم ظروفه القاسية، وأن الفوضويين وأنصارهم والإخوان وأعوانهم لم يصبح أمامهم الا أن يسلموا بتلك الحقائق  المؤلمة عليهم.
وأخيرا، ما علينا الا أن نهنئ الرئيس والحكومة وننتظر الرهان، من يكسب أخيرا هو من يعمل للصالح العام والاصلاح الحقيقي، ولا يبالي حتى بالشعبية المزيفة،فالحقيقة ستكون للمخلصين الجادين الذين في النهاية سيحصلون على الثمرة.
 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث