جريدة الشاهد اليومية

السبت, 29 أكتوير 2016

محمد بدينه.. عيسى بدينه موسى بدينه

بغداد، ومنذ بناها الخليفة المنصور قبل حوالي 1400 سنة، مدينة عظيمة بالعلم والثقافة والمدارس والآثار والمتاحف، لكنها أيضاً مدينة الحانات والملاهي والخمارات. الصفات الأولى اندثرت، للأسف، بفعل نظام ديكتاتوري، ثم احتلال، ثم نظام طائفي. والعراقيون ورثة باقة من أعظم الائمة، علي بن أبي طالب والحسين والكاظم وأبو حنيفة، ملتزمون بدينهم، والصحيح أديانهم، لأنهم شعب متعدد الأديان والأعراق والمذاهب، يؤدون واجباتهم الدينية وطقوسهم، ويتباهى معظمهم، قبل أبي نواس وبعده، بالشرب والسهر والوناسة، حتى شاعت بينهم الهوسة الجميلة الراقية: «محمد بدينه..  وعيسى بدينه.. وموسى بدينه».

نادرون جداً الخلفاء أو الحكام الذين منعوا الشرب في بغداد والعراق عموماً.صدام حسين فعلها في السنوات الاخيرة من حكمه، عندما ارتدى عباءة إسلامية وأطلق في العام 2000 ما أسماه «الحملة الإيمانية» وسيلةً لكسب التعاطف. ثم عادت الأمور إلى ما كانت عليه بعد سقوطه، وأقر الحكم الجديد دستوراً يوجب احترام الحريات الشخصية.
لكن الأحزاب الدينية، وهي وريثة صدام ووجهه الآخر، تحمل توجهاته القمعية والاحادية نفسها وإن بغطاء مذهب مختلف، أقرت الأسبوع الماضي بأكثريتها النيابية منع تصنيع الخمور واستيرادها وبيعها وشرائها، ما أثار جدلاً واستغراباً ورفضاً شعبياً واسعاً. فالنظام العراقي ليس دينياً وإن كانت الأحزاب الدينية تتحكم فيه وتسيّره، ما جعل التساؤلات كثيرة عن الدوافع الحقيقية والتوقيت فيما البلاد تخوض حرباً مفصلية لتحرير الموصل ثاني مدنها من تنظيم داعش، وترزح تحت بلاوي لا حصر لها، طائفية مقيتة، فساد مريع، فقر، بطالة، بل ان مصير العراق كله ووحدة شعبه وأرضه وحكمه على المحك.
أهملت الاحزاب الدينية كل هذه المخاطر وذهبت إلى الخمرة، لكن سرعان ما هدأت الغبار المثارة بموجة إيمان مفتعلة وبانت الاهداف الحقيقية والمصالح المادية الكامنة وراء القرار.
في بغداد عدد كبير من صالات القمار عائدها اليومي حوالي 2 مليون دولار يحميها حزب ديني مقابل نصف مليون دولار يومياً. وفيها مئات الملاهي للرقص والدعارة يحميها ويستفيد منها حزب إسلامي ميليشياوي آخر، ومثلها البارات التي يحميها حزب إسلامي ثالث. منع الخمر من السوق سيرفع سعرها في هذه الأماكن تحديداً لأن روادها «لن يشربوا الشربت ولا اللبن»، ما يزيد دخلها فتزداد حصة الأحزاب التي تقدم الحماية.
هناك أيضاً تقليد لتجربة إيران التي منعت الخمرة فارتفعت فيها نسبة تعاطي المخدرات على أنواعها، وبالفعل بدأت نبتة الخشخاش ومنها الحشيشة تزرع في جنوب العراق. كما أن المخدرات تهرّب على نطاق واسع، وبدل الكأس سيبحث العراقيون عن الحبوب.
إلى جانب هذا وذاك، ستشرّع الحدود، خصوصاً مع إقليم كردستان، أمام تهريب الخمور ومنه إلى داخل العراق بجميع محافظاته، لأن الدولة سائبة والكلمة العليا هي للميليشيات والمافيات.
باختصار، إن أحزاباً دينية ومافيات تهريب وفساد ستغرق العراق بالمشروبات والمخدرات، فمن يريد الخمرة سيجدها إنما بأسعار مضاعفة، ومن تعييه الحيلة سيلجأ إلى المخدرات، وقد ردّ العراقيون بسخريتهم الجارحة المحببة على برلمانهم بهوسة تشير إلى المستفيد: «يا ويسكي لا تزعل .. باكر العمامة ترحل».

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث