جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 21 أكتوير 2016

بذمتي حلال

قرأت يوما ان للموسيقى أثراً كبيراً في سرعة نمو وتعافي النباتات وقد شاهدت الكثير من الفيديوهات المتعلقة بهذا الأمر على موقع «اليوتيوب» توضح التجارب العلمية التي أجريت في هذا السياق، ثم تعمقت أكثر بالبحث في هذا الموضوع لأكتشف ان للموسيقى كذلك تأثيراً غريباً على معدل انتاج الماشية بشتى انواعها.
بل هناك ما هو أعظم من هذا، فالموسيقى لها آثار ايجابية محسومة علميا على صحة قلب الانسان وزيادة قدراته المعرفية وتخفيف آلامه والسيطرة على زيادة الوزن وتعزيز جهاز المناعة ومساعدة الأطفال الخدج وتنشيط الذاكرة وتحسين المهارات الحركية، كما أن الموسيقى تساعد على التغلب على الوحدة والاكتئاب والسيطرة على الشعور بالحزن، والسبب في كل ذلك يرجع للفيزياء.
نعم، فكل النغمات والمقامات التي تسمعها آذاننا فتستحسنها أو تستهجنها انما هي معادلات فيزيائية جعل الله في كل مخلوق منا اجهزة استشعار تقبل المحبوك منها وتنفر من الفالت، ولو كان قبول الموسيقى مزاجيا فكيف أجمع كل الناس على عظمة مؤلفات موتزارت أو الحان بيتهوفن أو سمو أداء أم كلثوم رحمها الله، بنفس الوقت الذي تستنكر فيه نفس الآذان أي نغمة نشاز، ذلك أن النشاز ما هو إلا معادلة فيزيائية منقوصة يتسبب دخولها بأدمغتنا في انزعاج وضيق.
والموسيقى بالعالم المتحضر تعدت كونها أداة تسلية أو هواية لقتل الفراغ، بل هي علم قائم بحد ذاته ألّفت فيها الكتب والقيت لاجلها المحاضرات واعدت لها الدراسات في سبيل سبر أغوارها ومعرفة قواها الخفية، فالموسيقى لا تعتبر عادة من عوائد الشعوب، بل هي فطرة مغروسة بكل انسان، فلا يوجد مخلوق على وجه البسيطة لا يستحسن الصوت العذب والاداء السلس المحكم.
كيف لا وقد بان أثر الموسيقى على الحيوان والشجر، إلا عندنا.
فقد ترسخت لدينا مشاعر التأنيب في كل مرة نستمع فيها للموسيقى، رغم أننا نستمتع أيما استمتاع حين يطرق مسامعنا صوت محمد المسباح، بل نشعر بتصالح مع الذات حينما ننغمس بألحان راشد الخضر رحمه الله، حيث اننا قد لُقّنا تلقيناً أن الموسيقى حرام وبسماعها نغضب الله، فالضال من يسمعها والفاسق من يتعاطاها وغافل من لم ينبذها.
هكذا تكوّن لدينا هذا الشعور المضطرب بين حالة الرضى التي تسببها الموسيقى لنا كأي مخلوق طبيعي آخر، وبين كل ذلك الموروث الديني الذي يؤدي للشعور بالتقصير والمعصية بحق ديننا حين استماعنا للموسيقى.
هل يعقل أن يحرم الله علما نافعا؟
هل هناك حكمة من ذلك التحريم؟
هل هناك دليل علمي على حرمة علم الموسيقى سوى قال الشيخ فلان أو أفتى العلامة علان؟
هل المطلوب أن نكون غلف القلوب متحجري المشاعر لا نستمتع حتى بالفطرة السليمة التي غرسها الخالق بنا؟
ولماذا يتلازم «رضى الله» بالشقاء والبؤس في ثقافتنا وفهمنا للدين؟
وكيف ندعو الله أن يرزقنا خير الدنيا والآخرة طالما اعتبرنا خير الدنيا مشوبٌاً بغضب الله؟
أولا يعتبر تشكيك الكثير من الباحثين والمشايخ الحاليين في موضوع حرمة الموسيقى وأنه لا يوجد دليل قطعي بحرمتها مؤشرا على أن هناك أمرا خطأ في ما يتعلق بفهمنا لتاريخ ديننا، وأن منح رجال الدين مساحة أكبر من حجمهم في حياتنا لم يورثنا إلا ارتباكا وقناعات مهزوزة؟

المراد
عندما تستلذ بصوت محمد عبده وانت متيقن من أنه من أهل النار، وعندما تقول «ياسلام» لعربة من عُرب أصالة وأنت مؤمن بأنه سيتم «قليها» في جهنم، فاعلم عندها انك أحد ضحايا التعليم الديني المتزمت، أو لنقل إنك ضحية عقلك الذي سلمته «ببلاش» لشيخ أو فقيه توفي قبل 400 سنة.
أما عن نفسي فإنني سأتجه للخط السريع وسأضع مؤشر السرعة على «cruise» ثم سأضع CD «الأطلال» وسأرفع الصوت لآخر مداه، وسأسمح لألحان رياض السنباطي أن تعصف بمشاعري دون خوف ولا مهابة وسأبحر مع صوت «الست» حتى أصل لشواطيء جزر خضراء نائية وأجول بحدائق غناء وارفة وأرتقي لشواطئ جبال مغروسة بالغمام، وحينما يبلغ مني الانسجام منتهاه سأرجع وأطفئ محرك السيارة وأقول بصوت مسموع: أستغفر الله، ثم أتعشى وأنام.
وذلك أنني رغم اقتناعي بأن الموسيقى «حلال بلال» الا أن الطبع يغلب التطبع.

أحمد نبيل الفضل

أحمد نبيل الفضل

صليات

Snap: AlFadhelAhmad
Twitter: @ AlFadhelAhmad

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث