جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 18 أكتوير 2016

مصر والسعودية ومجلس الأمن

فجر تصويت مصر في مجلس الأمن على المشروعين الروسي والفرنسي حول القضية السورية مفاجأة وارتباكا، حيث ظهر أن المصريين يقفون ضد حل المسألة السورية، وخرجت تصريحات سعودية وقطرية تنتقد الموقف المصري، ووصلت تصريحات المندوب السعودي إلى اتهامات لمصر بأنها خرجت عن الاجماع العربي، وكان ملحوظا أن السعودية وجهت اللوم بشدة للتصويت المصري على المشروع الروسي، بينما المندوب القطري انتقد ولكن بتحفظ أكثر، لأنه يعرف جيدا أن مسار علاقات البلدين لا يحتمل الكثير من الأخطاء، بل الكوارث والجرائم، ولم يرد أن يزيدها المندوب القطري في تصويت مجلس الأمن أو في الأمم المتحدة، والذي لن يؤخر أو يقدم كثيرا للقضية السورية، والسعوديون والقطريون يعرفون أكثر - من المصريين - أنها عمليات سياسية، بل انها محفل سياسي ما يحدث داخله تحصيل حاصل، وانه ليس هناك حل سياسي ولا عسكري للقضية السورية سيكون داخل أروقة المنظمة الدولية، وأن ما يحدث في سوريا بدأ حربا أهلية قاسية، تحولت إلى حرب طائفية بامتياز، ثم أصبحت الآن حربا بالوكالة بين دول اقليمية كبرى، ثم دخلت الدول الكبرى على الخط في صراع نفوذ ومصالح أكبر، وأصبحت حربا عالمية صغرى أو موديلا للحروب الكبرى عندما تشتعل وتحتدم على أرض الغير، أطرافها أميركا وروسيا ودول الاتحاد الاوروبي، والصين مراقبا، كما أصبحت صراعا محتدما ومكتوما وحادا بين الدول الاقليمية «تركيا وإيران من جانب والسعودية والعرب جميعا من جانب آخر»، والضحية هو الشعب السوري الحبيب بكل طوائفه «سنة وشيعة وأكرادا ودروزا» وقبلهم ومعهم الأخوة العلويون، وتتصور الطوائف أنهم القوة المعتدية، أو الباغية، في حين أنهم ضحايا مثلهم مثل السنة والشيعة يموتون يوميا، وسوريا ومدنها الحبيبة تهدم وتحترق، فاليوم دمشق وحلب وصيدا وغدا غيرها، وشغلوا العرب بحروب المدن وحصارها، حتى يكون منتهى أملهم أن يفك الحصار اليوم، وأن يتم التمكن من ايصال الغذاء والدواء إلى الأهالي المحاصرين، في صراع طال أكثر من 5 سنوات، وضحاياه والمشردون واللاجئون منهم أكثر، بل أضعاف ما حدث لنا نحن العرب في قضية فلسطين وشعبها، التي مازلنا نبكيها لأكثر من 60 عاما، وخضنا فيها حروبا طاحنة مع إسرائيل ثم جاءت كارثة سوريا وشعبها لتغطي على كل كوارث العرب، وتزيد بكاءهم على شعبها ووطنهم ومدنها لسنوات طويلة.
فهل التصويت في مجلس الأمن والخلاف في الرؤى بين مصر والسعودية يؤدي إلى أزمة سياسية بين البلدين في ظل ظروفهما الراهنة، وفي أحداث منطقتهم الملتهبة، والأخطار التي تحدق بهما؟ ان ما أستطيع أن أؤكده أن المصريين يعرفون جيدا أنه من غير الممكن، وليس من الطبيعي، أن تكون هناك أزمة بين البلدين حتى لو كانت عابرة، وأن هناك اتفاقا وعلاقات أقوى وممتدة لا يمكن أن يكون اختلاف الرؤى والتباينات بينهما سببا في فتورها، لكن المتحدثين وأصحاب المصالح هنا وهناك يهمهم اشتعال المواقف ليصنعوا لهم أدوارا حتى لو كانت مؤقتة أو غير مؤثرة، ليقولوا نحن الفئة الأولى بالرعاية وخاصة، اذا كان الطرف سعوديا، وهو طرف قوي وعتيد، وصاحب امكانات ضخمة، وعطاءات مستمرة، والمصريون في أزمة حادة مع عدو قوي متربص يشحن أذرعا اعلامية، ويحاول أن يضغط على مصر بكل القوى والأساليب، هذا العدو هو الإخوان المسلمون ومن هم على شاكلتهم، والذي لم يلاحظه حتى المندوب السعودي أن مصر التي صوتت على المشروع الروسي هي التي صوتت على المشروع الذي أيدته بلاده «المشروع الفرنسي الغربي»، ولذلك فان التصويت في مجلس الأمن عبر عن رسالة أكثر منها مضمونا أو موقفا، والوقوف في معسكر أو تأييد طرف على حساب آخر.
وكان المتحدث باسم الخارجية المصرية متحفظا في رده على المندوب السعودي للغاية، فلم يقل رأيا بل شرح ما حدث، وحتى لو ظهر أنه فسر الماء بالماء، فهو يتكلم عن العلاقات السعودية- المصرية التي يجب أن تكون- وهي كذلك- أقوى من أي اختلافات، أو وجهات متباينة للنظر داخل منظمة الأمم المتحدة، التي هي مثل منظمة الوجبات الجاهزة، كل طعامها يعد في الخارج، ويتم الذهاب اليها للتصوير وليس لتحديد مواقف.
خلاصة القول: إن من يريد أن يغضب أو يأخذ موقفا ويتم تصويره يلعب في العلاقات السعودية- فليفعل ما يريد، لكن البلدين لن يغضبا، وهما أكبر من هذه الأحداث الصغيرة، بل يقع عليهما عبء كبير، هو انقاذ المنطقة والشعوب العربية كلها من الحرب والتدمير والهلاك، وكل ما يجب أن يفعلاه هو التنسيق وتقاسم الأدوار السياسية، وحتى لو كانت هناك خلافات أو تباينات، فانه في ساعة الحرب والأزمة والفعل على أرض المعركة سيكون الجندي المصري إلى جوار الجندي السعودي، فهي معركة واحدة، ويجب أن نخوضها للحفاظ على المنطقة والعالم العربي من التطرف والإرهاب، ومن على شاكلتهما، ومن التدخلات الاقليمية «إيران أو تركيا أو إسرائيل» للاستفادة من حالة الحرب الراهنة على حساب العرب وبلادهم.
حرب السعودية هي حرب مصر، والموقف المصري والسعودي واحد، لا اختلاف، والتباينات في وجهات النظر لمصلحة البلدين، وما كتبته في هذا المقال، رغم أنه رأيي هو ما أعرفه بدقة عن كيفية تفكير الزعماء والقيادات السياسية والعسكرية في البلدين، وهو ما سمعته مباشرة منهما بعد الأزمة، وقررت أن أكتبه في صحيفة «الشاهد»، التي أقدرها، ليعلمه كل اللاعبين الاقليميين، أو الذين يريدون أن يعبثوا بعلاقات قوية ومتينة لا يمكن العبث بها، فانتبهوا أيها العابثون أو الباحثون عن دور، انسوا هذه المنطقة، فهي أكثر من متماسكة، حتى اذا بدا لكم بعض الضباب، الذي يتيح لكم بعض العبث أو اللهو، هذا للتوضيح والله أعلم، ودعائي قرائي: «اللهم ألف بين القلوب»، آمين.
 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث