جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 09 أكتوير 2016

جاستا.. رسالة أكثر منه قانوناً

كان الغضب من قانون الكونغرس الأميركي المعروف باسم «جاستا» ضرورياً, ولابد منه, لأنه يعيد الحقبة الاستعمارية القديمة, التي عرفتها بلادنا طوال وجود الاستعمار البريطاني والفرنسي, الذي سن قوانين لشعوب المستعمرات, وقانون تمييز المستعمر, وهذه المحاكم التمييزية كانت تعبيرا عن عدالتهم البعيدة عن الحق, فهم الجنس المميز, والشعوب المتفوقة, ونحن المحتلين لا حول لنا ولا قوة, وعلينا أن نستسلم لعدالتهم وتفوقهم.. ومن هنا ظهر تفوق وجدارة الرجل الأبيض في أميركا, وصولا إلى جنوب أفريقيا, وهذا تطلب كفاحا للشعوب المقهورة حتى تثبت جدارتها في السيادة وحكم نفسها, واستقلت هذه الشعوب وهزمت المستعمر وخرج من أفريقيا والهند وأصبحت الصين دولة كبرى تهدد الاقتصاد الأميركي.
واليوم عاد الاستعمار العسكري في العراق وأفغانستان بعد أن انحسر في كل العالم وكادت الإنسانية تنسى أن هناك هذا النوع من الإذلال والحط من كرامة الشعوب.. وعندما اكتشفت الدولة العظمى أنها أصبحت لا تستطيع أن تعيد هذا النوع من السيطرة والحط من قدر الشعوب الضعيفة, تفتق الذهن الاستعماري للعودة بالقوانين التعسفية لإصابة شعوبنا وحكوماتنا بالهلع والمخاوف, في حين أن هذه العقلية التي أوجدت وخلقت هذه الآلية البالية لا تستطيع تطبيقها, وهي عاجزة عن أن تثبت على مجتمعاتنا العربية كلها, وفي مقدمتها السعودية, أنها ترعى الإرهاب والتطرف, أو أنه من صناعة حكوماتنا.. قل عنها أي شيء, إلا أن تكون وراء هؤلاء المجرمين أو الإرهابيين, لأنهم يقتلون في مجتمعاتنا ويهددون بلادنا, ونحن أكثر البلاد مقاومة لهؤلاء المتطرفين, بل إننا نرى أن من يغذي المتطرفين والإرهابيين هو السياسات الأميركية والغربية عموماً التي تكرس التمييز, وترعى الاستعمار الاستيطاني الموجود في عالمنا, والذي اضطهد الفلسطينيين وأقام دولة عنصرية ودينية على أراضيهم.
ومن هنا فإن «جاستا», الذي هددنا, هو, كما وصفه الكثيرون, قانون بلا أسنان, أو قانون عاجز لا يستطيع أن يهددنا أمام المحاكم فعليا, ومخاطره القانونية على الدولة الأميركية التي أصدرته أكثر من تهديد بلادنا, ولكن الأهم أنه رسالة مهمة.
كما يجب أن تستوعب شعوبنا أن العقلية الاستعلائية والاستعمارية تعود وتحاول التسلط على الشعوب, وسرقة أموالها, وسلب استقلالها وسيادتها من جديد, وهذا يوجب الحذر والعمل على تغيير سياستنا معا, وإدراك هذه المتغيرات الجديدة في العلاقات الدولية, فهذا القانون لا يتناسب مع التطورات الموجودة حاليا في الأسواق الاقتصادية, التي سنها الغرب في العولمة والاقتصاد العالمي, والقائمة على احترام الدول والمعاملات وليس القرصنة, حتى لو أصبحت قانونية من وجهة نظرها, التي تفتقد العدالة والمساواة واحترام الشعوب لبعضها, ولا يعني أن مضمون القانون رسالة أننا نقلل من أهميته, بل إنه مرحلة جديدة وفارقة في علاقة العرب بالدولة العظمى, فإما أن نقبل أن نتحول تدريجيا من دول ذات سيادة تحترم بمقاييس العلاقات الدولية إلى رعايا للدولة العظمى, وإما أن نبني نظاما إقليميا جديدا يحمي مصالحنا المشتركة في المنطقة العربية لكي نلحق بالنظم الإقليمية المختلفة ولا نتحول إلى رعايا لدى الغرب وهذا يستلزم متغيرات أساسية في علاقاتنا المستقبلية, ومن هنا علينا استيعاب رسالة أو مضمون الإعلان القانوني حتى نستطيع أن نتعامل في المستقبل.
جاستا بوضعية الرسالة وما تحمله من ضغوط مستقبلية على حكوماتنا وشعوبنا أخطر من قانون أصدره الكونغرس ولا يستطيع تطبيقه عمليا, فهو قانون أعرج وعاجز, ولكنه رسالة خطيرة تحمل النظرة الدونية لنا ولشعوبنا ويجب أن تثور لها النخوة العربية, ليس بالخوف أو الشجب والرفض فقط, بل بالتغيير الحقيقي والاعتماد على إمكانياتنا لبناء دول حقيقية لا تعتمد على الغرب في مأكلها ومشربها وسلاحها ونظامه المالي وسيطرة مؤسسات علينا في كل مناحي الحياة وإدارتها واعتمادنا عليهم في الاقتصاد والمال والأمن بما يمكنهم من معاقبتنا وتأديبنا عبر حملات عسكرية أو عقوبات اقتصادية وصولا لتطبيق قوانين تعسفية تصادر استقلالنا وسيادتنا على بلادنا واقليمنا.. لذا علينا إدراك الرسالة وفهم مغزاها بلا قلق أو اضطراب لأن الفرصة لم تضع بعد وأمامنا القدرة على المقاومة والاتحاد للرفض والصمود حتى لا نكون رعايا صاغرين لقوانينهم وسيطرتهم الاستعمارية الجديدة.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث