جريدة الشاهد اليومية

السبت, 08 أكتوير 2016

من السياسة إلى المال!

يروي الاديب اللبناني الكبير مارون عبود أن لبنانياً  من آل الخازن سعى لدى المتصرف العثماني للبنان حين كان لا يزال امارة في القرن التاسع عشر،كي يعينه قائمقاما على أحد اقضية الجبل وقدم له المقسوم وكان اصبعا من ذهب،وضعه المتصرف في جيبه الخلفي ودق على قفاه حيث الجيب قائلا: طمّن بالك يا رشيد ..انت هنا.

مرّت الايام، ورشيد يجيء ويروح دون ان يحصل على مبتغاه حتى نفد صبره.فعاد ليقدم للمتصرف اصبعا ظنه هذا ذهبا كما في السابق،لكنه عندما فتحه انتفض وصرخ: ما هذا يا رشيد؟! فأجابه: هذا اصبع ملح انجليزي يا افندينا حتى تخرجني من ذلك الموقع.
سخرية مارون عبود ذكّرتني بمسخرة المرشح الجمهوري للرئاسة الاميركية دونالد ترامب، المعروف عنه انه مشعوذ نصاب،لكن موقع politico الاميركي الرصين،كشف جانباً بشعاً آخر في شخصيته.وهو انه يتكسب مالياً من موقعه السياسي كمرشح،اي حتى قبل ان يصل الى البيت الابيض ويجلس على كرسي المكتب البيضاوي يقضم من ميزانية حملته الانتخابية، ونصفها على الاقل مال متبرعين،ويحوّل الى جيبه الخاص.
ليس المقصود أبداً الترويج لمنافسته هيلاري كلينتون،فهذه أيضاً غارقة في عيوبها السياسية،وكلاهما الاقل شعبية ومصداقية في تاريخ الانتخابات الاميركية.لكن ترامب يتجاوز الخطوط الحمر السياسية والاخلاقية،ويُدخِل إلى السباق الرئاسي سلوكيات عالمثالثية. المقصود أنه يجعل المنصب أو الموقع السياسي وسيلة للثروة الشخصية أو العائلية، أو ما يسميه البعض ساخراً تحويل مجرى سير العام الى الخاص والتربع فوقه.
ظاهرة يعاني منها العالم الثالث واكثرية البلدان العربية التي حكمتها الانقلابات العسكرية.اشخاص يصلون الى مواقع السلطة مداخيلهم عادية اساسها الراتب،يستبيحون ما للدولة ويتكسّبون منها،أو بتعبير ساخر آخر «يعيدون تموضعها» حتى يتخموا بثروات تفوح روائحها كما لو ان معجزة حدثت لهم.
المرشح الجمهوري ترامب يبيع منتجاته حتى الستيك على حملته الانتخابية،يستأجر فنادقه ومنتجعاته لمهرجاناته الانتخابية،وطائرات شركته للتنقل بين الولايات وكذلك الأمن والحراسة.لم يسمح اي مرشح في تاريخ الانتخابات الرئاسية الاميركية حتى الاغنى من ترامب لنفسه بأمر مماثل،لان المرشحين خافوا اذا ما حشوا جيوبهم من أن ينعكس ذلك سلباً في صناديق الاقتراع،  فكانوا يفصلون اعمالهم الخاصة عن حملاتهم الانتخابية.
أن يحوّل السياسي أو الموظف من الميزانية العامة الى خزائنه، سلوك ينخر الديمقراطية من داخلها حتى تصبح ضعيفة هشة.ما دفع صحيفة يو.اس.توداي. المحافظة وثالث أكبر الصحف الاميركية انتشارا والتي التزمت منذ تأسيسها قبل 34 عاما الحياد في الانتخابات الرئاسية،لان تتخلى عن هذا التقليد، فأصدرت هيئة تحريرها الخميس الماضي،ولأول مرة في تاريخها،بياناً  دعت فيه قراءها للامتناع عن انتخاب ترامب، وأوردت ثمانية أسباب تبرر هذا الطلب،وهي ان ترامب: غير متوازن،غير مهيأ ليكون القائد الاعلى للجيش،احكامه مسبقة،نشاطه التجاري فيه بقع كثيرة،ليس صادقاً مع الاميركيين،متهور مريض بالكذب،عنصري،يفسد النقاش العام، في إشارة إلى أنه يستشهد بعضوه التناسلي في أحاديثه العامة، أو يعبر عن اشتهاء ابنته لو لم تكن من صلبه!
لم تدع الصحيفة الى انتخاب هيلاري كلينتون فهذه ثقتها بنفسها زائدة،تنقصها الصراحة،غير حريصة على اسرار الدولة وتتعامل معها بخفة. وقالت لقرائها:«انتخبوا حسب قناعتكم،لكن لا تنتخبوا دونالد ترامب».

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث