جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 05 أكتوير 2016

إعادة اكتشاف الرئيس عبد الناصر

كانت ذكرى رحيل الرئيس عبد الناصر هذا العام مختلفة عن سابقاتها، ليس لمرور نحو نصف قرن على هذا الرحيل الدرامي والمفاجئ، فهي الذكرى الـ 46 حيث غادر جثمانه الدنيا وحال العرب يشبه حالهم الراهن منخرطين في حروب أهلية مفجعة في معظم العواصم العربية في صنعاء وبغداد ودمشق، والأزمة السورية وضحاياها واللاجئون والمشردون فاقت كارثة العرب في فلسطين، عواصم مهدمة وبيوت مخربة والكل يبكي والفتنة الطائفية ولا ننتظر حلا قريبا، كل الطائرات الحربية في سماء سوريا الحبيبة ودمشق محاصرة وحلب تموت وغربان ما يسمى الدولة الإسلامية «داعش» تقاتل في كل بلادنا بالنيابة عن العدو الأصلي في إسرائيل، يقاتلون في مصر سيناء وهناك المهاجرون من أبناء العريش ورفح والشيخ زويد ومن العراق وكل أنحاء سوريا وليبيا والمساكين من اليمن بلا طعام أو مسكن أو ماء يموتون ولا يبكي عليهم أحد، هذا هو حالنا اليوم.
أما عشية رحيل ناصر فكانت أراضي العرب محتلة، كل فلسطين وأراضي الجولان في سوريا والتغول في الضفة الغربية والأردن، وسيناء، وكانت قناة السويس مغلقة وأهالي القناة في بورسعيد والإسماعيلية والسويس وبورفواد مشردين في مدن جمهورية ناصر التي منيت بهزيمة ثقيلة لا يستطيع الضمير العربي أو الإنساني تحملها، فكيف يعيش بها الضمير الوطنى، مات ناصر وهو واقف صامد يودع الزعماء العرب في المطار بعد أن كانوا قد أنهوا اجتماع قمة لوقف الحرب الأهلية التي اشتعلت بين العرب الفلسطينيين والأردنيين في عمان في مهزلة من مهازل العرب المتكررة حتى اليوم يقتلون بعضهم ولا ينتبهون إلى العدو والمحتل الذي سرق أرضهم واستباح بلادهم.
ناصر الذي رحل مهزوما في 67 هزيمة قاسية مفزعة، لم يستطع تحملها دخل حربا مباشرة مع العدو المنتصر، كانت من أقسى الحروب التي خاضتها بلاده، أطلق عليها حرب الاستنزاف واستمرت حتى معركة النصر في عهد خليفته الذي اختاره نائبا ورئيسا بعد رحيله السادات.
ناصر المهزوم، ظل في ضمير العرب رمزا للعزة والنصر، لأنه لم يقبل الهزيمة وأعاد بناء الجيش ودخل حرب الاستنزاف التي مهدت لنصر أكتوبر 1973 مع خليفته السادات، الذي صحح التاريخ وهزم الإسرائيليين عسكريا بعد 6 سنوات هزيمة وهو رقم قياسي من الهزيمة إلى النصر.
ناصر الذي أعاد المصريون اكتشافه في السنوات العجاف التي تفشت فيها الفوضى والخسائر بعد الثورات أو الفوضى الشعبية ما بين 2011 و2015، اكتشفوا أنه ذخيرتهم أو قوتهم لمقاومة التيارات المتخلفة المتدثرة بالدين، وفي مقدمتها أو في قيادتها الإخوان المسلمين، عادت بهم الذاكرة إلى الخمسينيات عندما تحرك الضباط الأحرار لإسقاط الملكية وإعلان الجمهورية، اكتشفوا اكتشافا مذهلا غير متوقع أو معروف أن ناصر لم يتحرك لأخذ الحكم من الملك فاروق، بل أخذ الحكم من الإخوان المسلمين الذين جففوا منابع الحكم وشلوا الملك وبدأوا في التخطيط لشل كل النظام السياسي والسيطرة على مقاليد الأمور في البلاد، ووصل عددهم إلى ما يقارب الملايين، وكانت مصر العظيمة مهددة بأن تكون أول دولة في الشرق تسقط تحت حكم ديني يميني متسلط قبل إيران التي سقطت تحت حكم الخميني والملالي في 1979 في أواخر السبعينيات ولكم أن تتخيلوا شكل هذا الشرق وثقافته إذا كان تحت هذا الحكم المتخلف والمضاد للعصر وثقافته، صحيح أن ظروفنا الراهنة صعبة ودقيقة، ولكن هذه التيارات الدينية مسؤولة عن جانب كبير من تخلفنا وعدم مواكبتنا للعالم وما يموج فيه من تيارات التقدم والتغيير والسير في ركب الحضارة المعاصرة، ولعلنا نذكر أن الدواعش والمتطرفين هم الذين قتلوا السادات الذي فتح باب النصر والسلام الإقليمى، قتلته تلك الأيادي الآثمة.
ناصر الذي أعاد المصريون اكتشافه بعد ما يقرب من نصف قرن على رحيله هو الرجل الذي وقف ضد الهزيمة، وبنى الجيش الذي خاض الحرب وانتصر، وهو الرجل الذي وقف ضد تيارات الجهالة الدينية وحجّمها وهزمها ومنعها أن تأخذ البلاد إلى الهاوية.
ناصر صاغ للعرب هويتهم وأعاد اكتشافها، ومجّد القومية وفتح للعروبة مجالا حيويا للحركة والعيش.
ناصر الذي رحل مهزوما انتصر وهو في رحاب ربه وتلك أقوى معاني النصر وأكثرها صلابة وقوة، ولذلك استحق هذا التكريم الشعبي بعد هذه السنوات الطويلة على هذا الرحيل وهو في قمة النشاط وروعة العطاء واقفا على قدميه مقاوما لكل عناصر الهزيمة والتحلل، وأن تقوم مصر الرسمية ممثلة في الرئيس عبدالفتاح السيسي والحكومة بإعادة فتح بيت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كمتحف وطني تخليدا لذكراه، وكذلك متحف ناصر في الإسكندرية لأصدق دليل على أننا أمام ظاهرة سياسية جديدة جديرة بالاهتمام والمتابعة والرصد.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث