جريدة الشاهد اليومية

السبت, 10 سبتمبر 2016

ساسة موظفون لدى «البيزنس»

يزداد عدد الدول في الكرة الأرضية، لكن رجال الدولة يصبحون قلة نادرة، وكأنهم كائنات غابرة إلى الانقراض أقرب، وهذا تهديد حقيقي لعالمنا المتحوّل بسرعة نحو الأسوأ!

من التحولات المقلقة في حاضرنا أن الذين يصلون الى سدة الحكم أصغر من بلدانهم والأدوار التي تلعبها أو المنوطة بها. .هذا حال معظم اوروبا والأمر سيكون سيئا أيضا مع من ستفرزه انتخابات نوفمبر المقبل رئيسا لأميركا.
أما في منطقتنا فعليه العوض ومنه العوض. جدباء قاحلة عدا قلة نادرة جدا من رجال دولة، لا نخالف الحقيقة إذا أوردنا سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد في المقدمة منهم. خصائص رجل الدولة تكرست في أدائه حتى في أصعب المواقف وأكثرها تعقيدا وخطورة.ثاقب الرؤية يفهم منطقته وعصره فيؤثر ايجابا في حياة بلده وشعبه.
قيادته المتميزة ببعد النظر والمنطق والعقلانية والسلاسة ،لحمتها وسداها مصلحة الكويت كلها وشعبها بجميع مكوناته دون استثناء. فحماها في محيط متفجر مشتعل.
قبل خمسين سنة عرّف ونستون تشرشل العظيم رجل الدولة بأنه يمتلك رؤية لعشر سنوات، خمسين سنة، مئة سنة لكيف ينبغي أن يكون المسار الذي يتخذه بلده، والعالم أيضا، والى أين يصل.
الشرق الأوسط أكثر مناطق الكرة الأرضية يدفع ضريبة غياب رجال الدولة. دمار أوطان وخرابها، موت شعوب وتشردها، تدهور مريع الى العصور الحجرية السحيقة.
أوروبا أيضا تدفع ثمن المرض أزمات عنيفة وحادة تتراكم فيها. الأيام الذهبية للقارة العجوز قد ولت. لن تشهد حربا كبرى أو كوارث دموية كالتي تعيشها منطقتنا، لكن هناك تحت الأزمات المتعددة الأشكال والمتنوعة الأحجام نيراناً كثيرة تتفاعل وقد تكون سببا في انفجارات وصراعات عسكرية، وإن محدودة، داخل أكثر من دولة أوروبية.
لم يعد فيها ونستون تشرشل، ولا شارل ديغول أو كونراد ادينهاور، كما لم يعدّ في أميركا جون كيندي، ولا نلسون مانديلا في جنوب افريقيا. ظهر دونالد ترامب وهيلاري كلينتون في أميركا، وهولاند ولوبان في فرنسا، وفاراج وجونسون في بريطانيا، وميلوش زيمان بدل مساريك أو هافل في تشيكيا، ساسة يتولون مواقع القيادة، خاصة في الدول التي تؤثر في مصير العالم،ليست لديهم مواصفات القادة ويفرغون السياسة من جوهرها. وبدلا من ان يفعلوا شيئا لبلدانهم والعالم، يريدون أن يفعل هؤلاء شيئا لهم.
سياسيون قصيرو النظر، عاجزون، مثيرون للملل، وبعضهم للاشمئزاز . بدل حل المشاكل يصبحون جزءا منها، يؤججونها ليتعايشوا عليها. فعيونهم ليست على المستقبل انما على الكرسي.
الخيار المفضل لشخصيات من هذا النوع والقاسم المشترك بينها، سياسة شعبوية مقيتة، عمادها أنصاف الحقائق، وتسطيح الحلول، وتخويف الناس للتلاعب بعقولهم، يزرعون الكراهية والعنصرية خصوصا تجاه الإسلام والمسلمين، وكل الشعوب المبتلية. كتبت أكثر من مرة في هذه الزاوية عن ندرة رجال الدولة والمآسي المترتبة عليها. بعض الذين ناقشتهم لأفهم الظاهرة، يرون أن التدهور لا يصيب السياسة وحدها. إنه في قطاعات كثيرة. الفكر والثقافة والفن.حيث تطغى نزعة التجارة والربح والاستهلاك السريع على روح الإبداع والخلق.امافي السياسة فإن السبب الأول، بين أسباب أخرى، هو أن الناس الموهوبين يتجهون في السنوات العشرين او الثلاثين الماضية إلى «البيزنس»، وأعطوا ظهورهم للسياسة فانحدر الساسة من قادة ورجال دولة إلى موظفين لدى رجال المال والأعمال!

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث