جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 30 أغسطس 2016

أوروبا المريضة

يرتبط الحديث عن أوروبا في الآونة الأخيرة بالأحوال الصعبة التي يعيشها اتحادها.. هناك من يصفها بـ«الأزمة الكبرى»، بينما يتوقع آخرون للاتحاد مصيراً مشابهاً لما تعرضت له امبراطورية النمسا- المجر بعد الحرب العالمية الأولى، والاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن العشرين الماضي، ثم يوغسلافيا بداية القرن الحالي، أي التفكك، وبالنسبة لهم أن انهيار الاتحاد الأوروبي مسألة حتمية، لكن السؤال هو متى؟
فأوروبا تواجه سلسلة أزمات اندلعت في وقت واحد: اللجوء وتدفق اللاجئين، «البركسيت» وخيار بريطانيا إعطاء ظهرها للاتحاد، النتائج الاقتصادية السيئة في منطقة اليورو باستثناء ألمانيا، إفلاس وديون وعجز وركود وهدر فلكي في جنوب القارة: اليونان والبرتغال واسبانيا ومعهم ايرلندا في الغرب، النار الملتهبة والمنذرة بالاشتعال شرقي القارة على الحدود الأوكرانية- الروسية، وما يرتبط بها من إجراءات عقابية ضد روسيا مقاطعة وحصاراً تجارياً وعسكرياً يزيدان حدة التوتر، اهتزاز الأمن وهجمات إرهابية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، التوتر مع تركيا، وأخيراً لا آخر تنامي العنصرية وانتشارها.
يضاف إلى هذا الجبل من الأزمات، سياسة انتهازية تميز حكومات بلدان وسط أوروبا الأربعة: بولندا، والتشيك، وسلوفاكيا والمجر، أي الـ V4، أو كما يسميهم البعض استهزاء، الرأسماليون الجدد، إذ تخلت عن أنظمتها الاشتراكية، ولم تتعلم بعد من الرأسمالية إلاّ أسوأ ما فيها، الفساد والطفيلية والتكسُب غير المشروع ونشر التوجهات الشوفينية في الحكم والشارع.
وإذا كان مو قفها العنصري تجاه اللاجئين معروفاً، فإنها لا تكف عن اختراع وسائل ابتزاز جديدة لسحب المزيد من الأموال من بروكسل، وآخرها فكرة إنشاء «جيش أوروبي موحد» المنطلقة الآن من براغ عاصمة التشيك بدعوى «ردع روسيا»!   
ليست الفكرة جديدة ولا أصيلة وهي تطل برأسها بين حين وآخر، لكن الابتزاز فيها هذه المرة واضح جداً، فهي لا تقلق روسيا بقدر ما تزعج أميركا المسيطرة على أوروبا عسكرياً عبر حلف الناتو، أما المتضرر الأكبر من إعادة فكرة ميتة إلى الحياة فهو الاتحاد الأوروبي نفسه، فلماذا يحتاج إلى إطار عسكري جديد، وجيوشه ضمن قوات الناتو؟ ثم كيف يؤسس جيشا لا تجمع الدول التي سيتكون منها نهج وأهداف سياسية واحدة؟!
وراء اثارة الفكرة القديمة: التغطية على الموقف العنصري اللا انساني للدول الأربعة في رفض استقبال اللاجئين.
يروّج دعاة الجيش الأوروبي له، بأن أوروبا أخطأت عندما وقعت في تسعينات القرن الماضي في وَهْم أن استخدام القوة في السياسة الدولية لم يعد ضرورياً، وأن الأهم هو الاقتصاد.
الخداع في هذا المنطق جلي جداً، فدول أوروبا تزيد سنوياً ميزانياتها العسكرية، أضف أن دولاً كثيرة منها، بينها التشيك بالذات، تورطت كحليف تابع، في حروب كثيرة خاضتها أميركا على العراق وأفغانستان قبل 13 عاماً، وعلى ليبيا قبل 7 سنوات، وبالتالي لا مبرر للجيش الموحد، سوى التكسب المالي وصرف الانظار عن قضايا فعلية.
الأزمات والخلافات العميقة تتفاعل داخل الاتحاد دون أن يتبلور موقف موحد ومشترك من الحلول الضرورية. وهي تزداد حدة لأن دول الاتحاد، عدا ألمانيا، تختار على رأسها قادة ضعفاء تشحب ألوانهم في ظل امرأة دولة قوية وحيدة الآن في أوروبا التي تعاني من غياب رجال الدولة الأقوياء، المستشارة الألمانية انجيلا ميركل.
ميركل التي يتكرس دورها قائدة للاتحاد الأوروبي، التقت الأسبوع الماضي في ماراثون طويل، 15 رئيس وزراء أوروبي لتحذر من «قرارات سياسية متسرعة»، عشية القمة الأوروبية الشهر المقبل في براتيسلاف عاصمة سلوفاكيا، بوادر التسرع تتأكد في سلسلة مواقف تجاه أزمات الاتحاد، وتشير الى ان أوروبا تسير الى انقسام واضح، حول دول مركز، أساسه المانيا وفرنسا ودول الشمال، ودول أطراف ملحقة تتعيش على الأولى. لذا، فإن القمة ستكون محطة مهمة: لمعالجة الأزمة الكبرى للاتحاد، أو مشكلة جديدة له؟!

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث