جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 22 أغسطس 2016

مصر وقرض صندوق النقد الدولي

مرت على مصر خلال شهر أغسطس الحالي ومع حرارته المعتادة معركة ساخنة جدا، ستكون نتائجها فارقة في مستقبل البلاد ليس اليوم فحسب، بل وطوال سنوات العقد المقبل، أي سنوات حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأعني بالمعركة الاتفاق الذي تم مع صندوق النقد الدولي على قرض قيمته 12 مليار دولار لدعم الاقتصاد خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وتكمن أهمية الاتفاق ليس في القرض نفسه، ولكن في شهادة الصندوق الدولى، والتي تعطي مصداقية دولية لمصر أمام كل المنظمات والمؤسسات الدولية والمجتمع الدولي بكل قواه بأن حكومة ودولة السيسي تحترم القواعد والمعايير العالمية في إدارة اقتصادها.
والاتفاق يمثل الخطوة الكبرى لإعادة وضع مصر في المسار الذي ظلت تكافح لتضع فيه نفسها طوال عصر مبارك الممتد، والذي كانت تحققه لسنوات معدودة ثم تعجز عن الاستمرار فيه، فشروط الصندوق صعبة جدا على الصعيدين السياسي والاقتصادي، خاصة معايير الأمن والحقوق والدعم وعدم التمييز، وعادة كانت المباحثات والمداولات بين مصر والصندوق تأخذ سنوات وتستمر الاتفاقية لفترة محدودة ثم تتوقف المفاوضات.
وظل مبارك يطلق عليه صندوق «النكد» الدولي بدلا من النقد، وظل الاقتصاديون المصريون لسنوات يفتخرون بقدرتهم على خرق شروط الصندوق وعدم الالتزام بها حرصا على البسطاء ومحدودي الدخل، وظل مسؤولو الصندوق يتحاورون بشكل مباشر مع الإعلام المصري بأنهم لا يفرضون شروطا، ولكنهم يساعدون الحكومة والبلاد على الإصلاح الاقتصادي ومعالجة الاختلالات والعجز في الموازنة، وهكذا اختلط الأمر ولكن ظل الصندوق لغزا وفقا للمثل القائل «لا أحبك ولا أقدر على بعدك».
ولكن نجحت مصر بعد سنوات شاقة من المباحثات مع الصندوق في إبرام الاتفاق مرتين، الأولى كانت بعد حرب الخليج الأولى وحرب تحرير الكويت في التسعينيات بعد اتفاق شاق وبرنامج ملتزم لخفض الدعم الحكومي بمعدلات عالية لم تستطع أن تفي بها طويلا، وسرعان ما توقف الاتفاق حتى عاد مع حكومة مبارك الأخيرة مصحوبا ببرنامج نجحت فيه البلاد في تحقيق معدلات نمو عالية واستقطاب نقد أجنبي واستثمارات خارجية كبيرة إلى أن تقوضت البلاد عقب انتفاضة 2011 وما أعقبها من صعود الإخوان ثم سقوطهم ثم حربهم الممتدة منذ السقوط وحتى الآن.
وقد لاحظ المراقبون أنه عقب التوصل للاتفاق الأخير بين حكومة شريف إسماعيل والصندوق أن الإخوان انتابتهم ثورة عارمة لم يستطيعوا التعبير عنها إلا باستئجار عدد من كبريات الصحف والمجلات الاقتصادية العالمية والمرموقة لمحاولة التأثير على الصندوق، وإشاعة خراب مصر وإفلاس اقتصادها في حركة مكثفة انطلت على البعض في مصر، فانطلقوا مثل الببغاوات لترديدها لإخافة المستثمرين في الداخل، واستغلوا الانخفاض الكبير في سعر صرف الجنيه أمام الدولار والعملات الأخرى للتأثير في الشارع المصري ومحاولة إثناء الحكومة عن التراجع في سياستها الجديدة التي بدأتها فورا بمراجعة وزيادات متدرجة في أسعار الكهرباء حققت بها الحزمة الأولى من قرض الصندوق.
وجاءت هذه الزيادات كرسالة اطمئنان للصندوق عن جدية الحكومة في السير في برنامج الإصلاح بلا أي مماطلة، ليس فقط من أجل الصندوق وفلوسه أو شهادته بحسن سير وسلوك الحكومة للمجتمع الدولي، ولكن لإنقاذ البلاد من السفه الاقتصادي وتبديد موارد البلاد من المواد الخام والنفط في استهلاك غير مجد ومكلف لا تتحمله مصر بعد خسائر سنوات الثورات والفوضى التي قاربت على 5 سنوات وآن لها أن تتوقف.
وبادر الرئيس بالحديث للشعب عن الوضع الاقتصادي وبصراحة متناهية، معلنا انتهاء عصر التبديد أو التهاون وحمل الحروب الخمس التي مرت بالبلاد المسؤولية منذ حروب عبد الناصر الثلاث 56 ثم حرب اليمن ثم هزيمة 67، ثم حروب ناصر والسادات الاستنزاف ثم 73، أنها جعلت مصر مستنزفة اقتصاديا، ثم أضاف إليهما سببين جوهريين آخرين، الأول: ضغوط التيارات الدينية وحروب الإرهاب المتتابعة والتركيز على ضرب السياحة باستخدام الإرهاب والتطرف الديني، والسبب الثاني: الفساد وبذلك أعلن الرئيس أن بلاده ستحارب استنزاف الموارد بعدم الدخول في صراعات حربية ومواجهة الإرهاب والفساد.
ولكنه أضاف أنه لن يتردد في طلب وقوف الشعب معه في اتخاذ القرارات الصعبة لإصلاح مسار الاقتصاد لتكون مصر قوية للجيل الحالي والأجيال المستقبلية، بمواجهة الإسراف الاستهلاكي بالدعم المفرط الذي لا يفرق بين فقير مستحق وغني يحصل عليه من دولة تبحث عن موارد لإصلاح نظمها الاقتصادية وسياستها، خاصة في مجالي الصحة والتعليم.
وهكذا وضع الرئيس السيسي يده على مشكلة مصر العظمى، الدعم المفرط في السلع الغذائية وفي الصحة والتعليم التي أصبحت الدولة عاجزة عن توفيرها بمعدلات تتناسب مع دولة من أكثر، بل هي الأكثر في النمو السكاني، فهل يستطيع مجابهة رأي عام صعب المراس تعود على الفوضي سنوات عديدة وأسعار رخيصة يحصل بها على السلع والخدمات الأساسية. إنه سؤال صعب جدا عجز السادات ومبارك عن الإجابة عليه طوال أكثر من أربعين عاما، فهل يجيب عنه السيسي في سنوات حكمه الصعبة التي من المتوقع أن تمتد إلى 8 سنوات، مر منها 3 سنوات تقريبا ودخلنا في العام الأخير قبل أن يطلب من الشعب التجديد لأربع سنوات جديدة، إنها السنوات الأصعب في تاريخ مصر الحديث ليس منذ قيام الجمهورية في خمسينيات القرن الماضي، بل منذ قيام الدولة الحديثة منذ 200 عام على يد محمد علي.


 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث