جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 21 أغسطس 2016

Master Key

لو أننا قمنا بزيارة جميع حواضر العالم وفيافيها فلن نجد منهم أمة تطلق لقب «عالم = Scientist» بشكل مطلق على رهبانها أو قساوستها او رجال الدين عندها، وإن استخدموا تلك الكلمة فهم يضيفون اليها تخصصا ما، كأن يلقّب فلان بعالم اللاهوتيات، أو فلان عالم بتاريخ التوراة أو البوذية او الكنفوشيوسية.. ولا ينعت الشخص المتخصص بالدين بكلمة «عالم» على اطلاقها الا في عالمنا «الاسلامي» فقط، فنحن الوحيدون الذين اصطلحنا على ان دلالة كلمة «عالِم» ترمز لرجل الدين،  وكأننا اختصرنا العلم من جميع أطرافه وأحطنا به من كافة نواحيه ثم طويناه طَي السجل للكتب وألقيناه في حضن رجل الدين، فلا علم إلا علمه ولا فن إلا فنه ولا قول إلا قوله ولا حكم إلا حكمه.
فإذا بدأ شخص ما حديثه بجملة:  قال العالم فلان، فإننا ودون أي مجهود عقلي سيتمثل في ذهننا شيخ أبيض اللحية تبدو على قسماته آثار الزهد والورع والحكمة وقد تحلّق حوله طلبة العلم يستجدون فقهه وبركته ويرجون نفحات علمه الديني، وهكذا استقر في اللاوعي العربي المسلم عدم أهمية باقي العلوم اذا ما قورنت بالعلم الشرعي، فالمتخصص بالرياضيات «خوش ريال» بس مو عالم، وخبير الفلك «ولد ناس» بس مو عالم، وجراح القلب «حبيب» بس كذلك مو عالم، و........ الخ، فقد وَقَرَ في وجداننا ومنذ استحكام الفكر الأصولي بعالمنا أن العلم الشرعي هو الأولى والأبقى من باقي العلوم.
بل إن تأصُّل تلك المعاني بين الناس من تمجيد وتنزيه لرجال الدين أورث في أنفس رجال الدين وسلوكهم الكِبَر والعُجب، فباتوا يُخضعون جميع العلوم لحكمهم وتقديرهم حتى أضحوا يسطون على تخصصات الغير دون ورع او خجل، فتراهم يفتون بالتاريخ دون واسع اطلاع، ويسطون على الطب دون سابق معرفة، ويُحاجّون بالفلسفة دون دراسة وعمق ثقافي.
فوضع التخصصات بالعالم العربي الاسلامي يشبه وضع الفندق المليء بالغرف ولكل غرفة مفتاحها الخاص، فهناك غرفة للدكاترة لا يدخلها سواهم، وأخرى للمهندسين فقط وثالثة للقانونيين ورابعة للاقتصاديين وهلم جرا، فلا يستطيع الدكتور التطفل على غرفة المهندس، كما لا يستطيع القانوني الولوج لغرفة الدكتور، هذا الفندق يحوي أيضاً جناحاً فاخراً لرجال الدين فهم كذلك أصحاب تخصص، ولا غضاضة بأن يحظوا بجناحهم الخاص، إلا ان المفتاح الذي بيدهم يعتبر Master Key بحيث يخولهم فتح غرفتهم وكذلك فتح أي غرفة يشاؤون دون مساءلة او اعتراض من قبل أصحابها، بنفس الوقت الذي لا  يستطيع فيه احد فتح باب جناحهم إطلاقا، وإلا اتهم باقتحام ما ليس له به علم، رغم أن الدين للكل وباقي العلوم للبعض!
وخير شاهد على استفحال أمر رجال الدين في مجتمعاتنا ذلك الشيخ الشاب حديث السن الذي اعتلى منصة علمية في الشارقة وببساطة شديدة وذكاء قل نظيره أسقط حقيقة دوران الأرض حول محورها، بحجة انك لو أردت السفر لمكان ما، فإنك لن تصل إليه والأرض تدور، فكلما حاولت الاقتراب سيبتعد المكان وبالتالي فما عليك سوى ركوب الطائرة والوقوف بالجو لتلف الارض حول نفسها الى ان تبلغ غايتك فتنزل الطائرة دون صرف الوقود، يعني take off وlanding فقط!
وعليه فإننا نتوقع انهيار وكالة «ناسا» للفضاء وإعلان افلاسها الفكري، وتعري الوكالة الدولية لعلوم الفضاء بعد استقالة مديريها لعدم قدرتهم على الرد العلمي على شيخنا المبارك، وستغدو مليارات الدولارات التي انفقها العالم الحديث على علوم الفضاء مجرد عبث كشفته لنا قدرة الشيخ على استنباط العلوم من القرآن!
ما أعظمكم وما أعلمكم يا مشايخنا فحياتنا من دونكم «سلطة»!
ومن لا يؤمن بهذا الاستنتاج فعليه مراجعة إيمانه وتنقية عقيدته.

المراد....
على الرغم من انني عندما شاهدت الشيخ وهو سيتفرغ جهله بجرأة امام الملأ تذكرت أبا الطيب حين قال:
ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ
وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ
إلا انه لم يعنني جهل ذلك الشيخ وعدم إلمامه بدروس أولى ابتدائي علوم «التي ربما لا يراها من صنوف العلم النافع أصلا».
ولم يشدني سماع أصداء قهقهة علماء الفيزياء الاحياء منهم والأموات على مدى التخلف الذي نحيا به وسماحنا لأمثال هذا الشيخ باعتلاء منابرنا بدل أهل الدراية والمعرفة.
بقدر ما أسر عقلي وخلب لبي  جرأة الشيخ  التي أبداها والثقة العمياء التي تحلى بها  وهو يغزو أرضاً يجهلها ويتفوه بما يشاء دون حرج، وذلك لعلمه المسبق أن هناك أغناما كثيرة ستردد  بعده : آمييين....حتى وإن غنى سامري! 
لم لا، فقد أوكلناهم أمور ديننا فاستباحوا دنيانا!

أحمد نبيل الفضل

أحمد نبيل الفضل

صليات

Snap: AlFadhelAhmad
Twitter: @ AlFadhelAhmad

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث