جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 03 أغسطس 2016

الشرق الأوسط قبل الطوفان

دخل الشرق الأوسط قبل إتمام الانتخابات الأميركية مرحلة جديدة شبيهة بمرحلة ما قبل الهندسة الأخيرة ما بين كيري ولافروف، صحيح أنها لا ترقى لما كان بين الوزيرين الإنجليزي والفرنسي سايكس وبيكو قبل مائة عام، ولكنها مرحلة تقسيم مبكرة أو ميكرو كيري
– لافروف، ضحية هذه العملية التي لا أستطيع توصيفها هو الشعب السوري، وهي اتفاق على جثة الشعب السوري أمام الضعف والتهافت لكيري لكي يحقق لرئيسه أوباما نصرا رخيصا يسلمون به سوريا جزئيا إلى ما تبقى من الجيش وإلى الميليشيات الإيرانية وحزب الله، مع محاصرة ما تبقى من الدواعش وجبهة النصرة التي حاولت تغيير جلدها لتحصل على جزء من الكعكة بلا جدوى حتى الآن.

هندسة كيري – لافروف لن تدوم مع الإدارة الجديدة في أميركا مطلع العام القادم لسببين، أن الشرق العربي لم يمت ولن يُترك لإدارة أميركية ضعيفة أو إدارة روسية انتهازية، ولكنهم سيتركون المنطقة خاصة الشام والعراق على صفيح ساخن وحرب طويلة لم تنته، وليس هناك مؤشرات للانتهاء، ولكن كتب على الشرق العربي أن يدخل غرفة عمليات لإجراء جراحات عاجلة في جسده، فهل يخرج منها سليما أم مصابا بعاهات جديدة ستعيش معه في القرن القادم، فالكل الآن يحاول أن يقضم جزءا كبيرا من كيانه وأولهم الأكراد الذين يستعدون لإنشاء دولة لهم في سوريا، وقد تتحد مع كردستان العراق الذي أعلن أنه يتطلع إلى اتفاق تقرير المصير عن بغداد، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية نجد الأكراد أقرب لدولة قوية في الشرق الأوسط، ولعل هزيمة الجيش التركي بعد الانقلاب الأخير «تزغلل» أعين أكراد تركيا، وتنعش آمال أكراد إيران.

وقد سبق وقلنا إن المنطقة مقبلة على عصر جديد قد يتأخر ظهوره ولكنه قادم، وينتظر فرز أصوات الناخبين الأميركيين، وسواء فاز ترامب أو السيدة كلينتون فإن بزوغ هذا الشرق سيظهر وسيكون نتيجة توافقات روسية – أميركية. فالروس وبوتين يتطلعون إلى فوز ترامب حتى يكون نصيبهم وتأثيرهم أقوى، فهو في نظرهم يلتسن روسي جديد في أميركا، وقد يخطئون التقييم ويصبح ريجان الثاني كما يراه الجمهوريون الجدد ليعيد لأميركا مكانتها، أما هيلاري كلينتون فإنها لن تبعد كثيرا عن اتفاقات الوزير كيري، وقد تكون أصعب أو أشد مراسا منه، ولكنها لن تبعد كثيرا.

المهم أمامنا أيا كان الرئيس الأميركي القادم، وتأثيره سيكون متقاسما مع روسيا، وأنهم سيتركون النار مشتعلة فلن يحلوا الأزمة الفلسطينية، بل سيتركون لنا كارثة سوريا مفزعة، وتدخلا إيرانيا مقيتا وثقيلا على دول الشام والعراق. الشرق الأوسط كله سيكون مسرحا لحرب الإرهاب والتطرف مثلما كان حال أفغانستان في الثمانينات وحتى الآن، وسيشهد صراعا مفتوحا بين قوى الإسلام السياسي بكل أشكالها وبين شعوب المنطقة، وحالة من عدم الاستقرار والاضطراب لم نعرفها ولم نشهد لها نظيرا لمقاربتها أو معرفة نهاياتها ولكنها حرب مفتوحة لا يمكن أن نسميها حربا أهلية أو عالمية، وعلى المتخصصين أن يبذلوا جهدا لتسميتها.

إنها حرب قاسية وجديدة علينا وتكلفتها فادحة، الشرق العربي سيضحي شكله مخيفا مفتتا ومتصارعا، حروب داخلية وإرهاب مفتوح وجيوش جوالة وميليشيات مختلفة تنمو في جسم الأمة كالسرطان لا يتوقف، ستطول المنطقة كلها عربا وتركا وفرسا وإسرائيليا، لن يصبح أحد في منأى أو في واحة، ولن يكون هناك فائز فالكل خاسر، وتدمير الشرق بفعل سرطان الحروب والتطرف والإرهاب بالقطع سيلقي بظلاله المخيفة على كل العالم.

ولذلك أدعو العقلاء في الشرق والغرب إلى أن يعيدوا تقييم الموقف بعقلانية قبل الطوفان القادم على أرض الشرق، أرض الأديان السماوية الثلاثة التي دعت إلى الحب والسلام قرروا أن يقتلوها بأيدي التطرف والإرهاب وباستخدام الأديان وأهلها من المتطرفين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث