جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 25 يوليو 2016

تركيا.. بروفة انقلاب ومقدمات حرب أهلية!

انتهى انقلاب الصيف في تركيا بهزيمة العلمانيين وخوف الإسلاميين على الحكم، وخرج الفارس أردوغان منتصرا مزهوا،ورأينا نجوم حزبه الذين أبعدهم عن السلطة وساعدوه في العقد الماضي يعودون إلى الواجهة، ومنهم عبدالله جول الرئيس السابق ورئيس الوزراء الذي لعب في حياة الرئيس التركي أردوغان دور المقدمة، فرأيناه رئيسا للوزراء في بداية صعود النجم بطل حزب الحرية والعدالة أردوغان، حتى انتهت قضيته والتي دخل فيها السجن وخرج رئيسا للحزب والحكومة وبطلا لقيادات الحرية والعدالة أو الإسلاميين عندما عادوا للسلطة ردا على إزاحة كبيرهم الرئيس أربكان، الذي أخاف الجيش والعلمانيين فتمت إزاحته بانقلاب ناعم لم يشعر به الأتراك،ولكن نتائجه ظهرت بعد سنوات.
وقد ترددت على تركيا في تلك السنوات، بل وحضرت أكثر من ورشة عمل وسألت هل أصبح الجيش والعلمانيون الأتراك أحفاد أتاتورك لا يخافون من التيارات الإسلامية أو الإخوانية، فسمحوا لجول وأردوغان بأن يعودا إلى السلطة من جديد، وجاء الرد أن تركيا تتقدم والإسلاميين يجب أن يكونوا من ضمن هذا التقدم،ولقد مر علينا سنوات ونحن نحاول أن ندمج أبناء الأناضول في العلمانية التركية بلا جدوى، فكان من الضروري سحبهم إلى النسيج التركي وليكن بحزب الحرية والعدالة.
إن أردوغان - جول غير أربكان،لذا فإنه سيحافظ على ديمقراطية تركية وعلى علمانية الدولة،وهنا كان صعود ابن إستنابول أردوغان الذي لم يبخل عبر السنوات التسع الماضية بتقديم النجوم والأبطال الإسلاميين، فرأينا نجمه المفكر وأستاذ الجامعة داود أوغلو الذي بدأ في الخارجية ثم رئيسا للحكومة ثم نحاه وقدم زوج ابنته الرئيس الحالي يلدريم، صاحب الصوت الأجش البطل الذي صادف السلم «في لعبة السلطة»، فصعد إلى مكانة مرتفعة لم يتصورها عقله الصغير، والذي استند في لعبته السياسية ونجوميته إلى أنه من أسرة أو عائلة السلطان الجديد لتركيا أردوغان.
عندما رأيت أوغلو وجول يعودان إلى الواجهة بعد انقلاب تركيا قلت في سري وعلانيتي يبدو أن السلطان قد أفاق وخرج من الانقلاب بطلا مزهوا وجدد عقله وبدأ يعود إلى رشده،خاصة أنه قد بدا لي قبل الانقلاب العسكري بساعات قليلة أنه قد بدأ في تصحيح سياساته بشكل انقلابي وكأنه خائف من تململ الجيش والأحزاب المدنية من الأخطاء التي ارتكبت في سنوات توليه الحكومة وقبل الانتقال إلى الكرسي الشرفي، أي الرئاسة استعدادا لتغيير الدستور والقانون ليكون الرئيس الأول أو التنفيذي وليس رئيس الحكومة، وأن يعلن نفسه رئيسا أو سلطانا أعلى لدولة الخلافة التي كان يعد لها ويختار الخلفاء من الإسلاميين في باقي دول النفوذ والسيطرة في مصر والشام،ولكن التجربة واجهت صعوبات جمة ولم تنجح حتى الآن.
اعتذر للروس بشكل مهين للدولة التركية اعتذارا مكتوبا لسقوط الطائرة وأعطاهم التعويضات المطلوبة،وأعاد علاقاته مع إسرائيل وقبل بالمصالحة،وأعلن أن يريد أن يصحح أخطاءه في سوريا،وهدد وطالب الإسلاميين أو الإخوان في تركيا بأن يسكتوا،وخاطب المصريين بلغة جديدة طالبا التغيير ولم يتلق ردا حتى الآن.
بدأت صورة أردوغان الخارجية وسياساته قبل الانقلاب العسكري الفاشل مختلفة، بل تدعو للتساؤل ماذا يحدث في السر في تركيا،هل هذا التغيير والتطورات المتسارعة في السياسة التركية داخليا وخارجيا طبيعية أم هي تمهيد لمرحلة جديدة تنتقل فيها الدولة من نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي؟ هل هي قربان يقدمه أردوغان إلى الأتراك أو إلى الجيش من أجل تنصيبه رئيسا تنفيذيا أو حاكما بأمره أو سلطاناً جديدا لدولة مختلفة؟ لم تتبلور الصورة وإذا بكل المراقبين يرون في تركيا شيئا مختلفا، الدولة التي تصورنا أنها اختلفت وتقدمت ولم تعد مرشحة للقلاقل والاضطرابات تشهد انقلابا مغامرا على السلطة،وتعيش ليلة لا نعرف فيها من يحكم الدولة التركية التي أصبحت في السنوات الأخيرة محور اهتمام عالمي، بل هي بؤرة الاهتمام أميركيا - أوروبيا - شرق أوسطيا،ونتحاكى جميعا بما يتحقق للاقتصاد التركي على أيدي أردوغان، ونسي الكثيرون أن صانع نهضة الاقتصاد والتطور التركي الأول لم يكن أردوغان، بل تورجوف أوزال الذي مهد للإسلاميين الحكم وقدم لهم دولة تتقدم وتسير بمعدلات عالمية للنمو الاقتصادي والسياسي،وتخلصت من اضطراباتها الداخلية، وكان أوزال مهندسا في السياسة والاقتصاد والحياة، فدخل الجيش ثكناته ومهد وطنه لمرحلة طويلة للانتعاش الاقتصادي والسياسي انتهزها أردوغان السياسي المغامر والذكي الذي تصورنا جميعا أنه تخلص من أيديولوجيته الإخوانية وأصبح بطلا لتركيا،يقود بلاده نحو التطور الاقتصادي والسياسي معا، فقد ارتفع مستوى المعيشة في عهده وتطورت السياسة وأصبح الإسلامي لا يخاف ويدخل البرلمان مع زوجته المحجبة ولا يخشى شيئا في دولة أتاتورك، بل في عهد أردوغان دخل القصر لأول مرة جول مع زوجته المحجبة «قصر أتاتورك»
تطورات إيجابية شعرنا نحن بها في الشرق العربي أن أردوغان بطل حقيقي أعاد بلاده إلى تاريخها، أسعدنا أردوغان أن الإسلاميين حقيقة في مجتمع علماني عتيد،إلى أن صحونا على الانقلاب وكنا قبلها قد أخافنا سلطان تركيا في الشرق عندما تدخل في شؤوننا الداخلية مع بداية الربيع العربي أو ما عرف بذلك قبلها بسنوات،فوجدنا السلطان يرعى الإخوان مثل الأمريكان ويقدمهم للسلطة ويعينهم مثل الخليفة العثماني حتى يرعوا مصالح الدولة العتيدة في بلادهم،وحتى وجدنا رئيسا مصريا صعد للحكم بعد أحداث 2011 والفوضى في مصر يقول في تصريح علني  تركيا المقدسة، لم نفهم تصريحه في ذلك الوقت وقلنا إن الخلط التاريخي يجعله يقول هذا الكلام، ولكنه كان يقصده واقعا وليس تاريخا إلى أن سقط حكمه فكان رد فعل السلطان أردوغان غريبا،فاحتضن الإخوان المسلمين المصريين وعادى الدولة المصرية بكثير من الحماقة والتسلط غير المفهومين على السياسة التركية البراغماتية المعروفة،وهكذا توالت تغييرات أردوغان إلى أن ترجمها الانقلاب العسكري في صيف 2016 «يوليو الحالي».
فكشف لمن يعرفون تركيا الكثير أنه ليس انقلابا فاشلا لأن الجيش التركي الذي أهانه أردوغان بعد الانقلاب وأخافه بالصور والمحاكمات والإهانات جيش عنيد وليس سهلا أن يفشل في انقلاب، ولكن الجيش القوي الذي يتقبل الصدمات تململ فيه العسكريون من أخطاء حكومة أردوغان فسارعوا إلى التغيير وضرب السلطة،فكان انقلابا فاشلا ولكنه كشف ما يعتمل في الداخل التركي،الدولة تتململ من الإسلاميين، وتركيا خائفة على هوية الوطن، الانقلاب أصبح لدى العارفين هو بروفة الانقلاب والانقلاب الحقيقي ما زال في ضمير الجيش ينتظر لحظة الانفجار.
وعلى أردوغان أن يفهم سريعا ما يحدث ولكنه سارع مثل الخائف المذعور إلى عمليات انتقام علنية من الضباط المتهمين بالانقلاب لإهانتهم وضربهم في الشوارع، فكان إعلانا إلى السلطات بأن التجربة السياسية الديمقراطية في تركيا لم تنضج ولم تتخلص من آفاتها،فأخطاء أوردغان بعد فشل الانقلاب أكبر من نجاح الانقلاب،وخطر أردوغان أصبح كبيرا وكبيرا جدا على الخائفين على مستقبل هذا البلد الكبير، وعلى الإسلاميين في تركيا أصبح أكبر إذا نجح الانقلاب وسقط أردوغان فإن الانقلابيين لن يكونوا قادرين على الاستمرار طويلا في عالم متغير لا يقبل بالانقلابات العسكرية طريقا للحكم، ولكن فشل الانقلاب مهد الأرض وحرثها بشكل غير معقول للانقلاب القادم والأخطر على دولة آل عثمان أو دولة الخلافة،وكشف أن ما يعتمل في التراب التركي صراع غير محتمل بين العلمانيين والإسلاميين  قد يرقى إلى حرب أهلية لا قدر الله، وندعو للدولة التركية وللسلطان أردوغان بالخير وبلطف وأن تنجو تركيا على يديه مرة أخرى،إننا جميعا نريد لتركيا الخير والانتصار ولا نريد للإسلاميين في دولة الخلافة الهزيمة.
ولذلك ندعو لأردوغان أن يستيقظ ولحزبه أن يعرف أن العسكرية التركية فخر لبلادها، وأن العلمانية التركية هي التي أتاحت للإسلاميين الحكم في تركيا،وإهانة الدولة للعسكرية التركية لن يكون طريقا لمنع الانقلابات القادمة، ولكن احترام القانون واحترام البدلة العسكرية واحترام تراب تركيا العلماني سيكون تمهيدا لتنجو تركيا من الانقلابات ومن الحروب.
فهل يفهم الأصدقاء والأحباء في تركيا هذه الرسالة،وأن يحترموا قادة الانقلابات وبدلتهم العسكرية ويقدموهم إلى محاكمات عادلة ولا يقعوا في استخدام أساليب الدواعش في الانتقام وحرمان الجنود من الصلاة عليهم بالمساجد بحجة الإهانة،أو ضرب مؤسسة القضاء والانتقام بحجة إعادة الهيكلة،ما يحدث في تركيا خطر ومقدمات للانقلابات والحروب الاهلية.
فلتهدأ أيها السلطان وعد إلى رشدك نحن لا نكرهك برغم أخطائك الكارثية، وحافظ على ما تحقق لتركيا ولا تنزلق إلى حكم الإعدام أو محاكمات الشوارع،حافظ على تركيا العلمانية التي يحكمها الإسلاميون،تجربة بلادك رصيد لنا لا نريد أن نخسرك،تواضع وخذ نصيحة من أهل الشرق – رعايا دولة الخلافة السابقة – ولكنهم يريدون أن تظل تجربة تركيا رصيدا لنا وليس علينا لعل الحظ يصادفك في لعبة السلطة وتصادف السلم فتصعد وتلتقى الثعبان فلا تسقط..حظ أوفر.. أو «جود لك.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث