جريدة الشاهد اليومية

السبت, 04 يونيو 2016

من المسؤول عن إفشال صفقة السلام الكبرى الأخيرة مع إسرائيل؟

في لحظة مفاجئة للعرب والمصريين تحدث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن فلسطين، وطرح أفكارا سياسية للسلام مع الإسرائيليين، ترقى لمستوى المبادرة وإن لم تكن مبادرة كاملة الأركان، فقد كانت دعما وطرحا مختلفا للمبادرة العربية التي ترعاها السعودية والجامعة العربية منذ عام 2002 حتى الآن بلا تحرك سياسي ودبلوماسي يتناسب مع قوتها، وجاءت كلمة السيسي متزامنة مع المبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي للسلام في باريس لإعادة إحياء حل الدولتين وبعث الحل السلمي والسياسي للمشكلة الفلسطينية بعد أن توقف طويلا.
لم يكن التحرك الجديد وليد اللحظة، بل كانت تسبقه تحركات واتفاقيات سياسية لفاعلين في هذا الاتجاه، وكانت المفاجأة ليست لأصحاب الشأن مثلما فوجئ الرأي العام والشارع العربي.
ولكن جاءت المفاجأة من إسرائيل، وهي ضرب هذا التحرك لتعود القضية الفلسطينية إلى حالة الجمود أو الثلاجة التي توضع فيها لا لتموت ولكن لتبقى رهينة لأجواء أخرى غير معروفة، أو لمواعيد جديدة غير معروفة أو معلنة.
ولكن التحرك كشف عن حيوية ومكانة هذه القضية، وأنها أقوى من التغييب وغير قابلة للموت أو الضياع.
كما أن التحرك الفرنسي جاء ليقول للعرب والشرق أوسطيين عموما إنه إذا كانت أميركا قد خرجت جزئيا من عملية السلام فإن الأوروبيين قادرون أو راغبون في ملء الفراغ والتأثير في الأطراف جميعا، أرادوا أن يقولوا إننا حاضرون وعلى الشركاء العرب أن يعيدوا ثقتهم في الأوروبيين، بل أضافوا أن أوروبا قادرة على الفعل بعيدا عن أميركا، وأنهم لم ينسوا مكانتهم في المنطقة التي كانت مركز نفوذهم أو مستعمراتهم السابقة.
وفي الوقت الذي كانت أميركا تقلص من نفوذها أو تتملص من مسؤولياتها العالمية كانت أوروبا تحاول أن تتمدد في مناطق أصحاب المستعمرات القديمة وقضيتهم الأولى فلسطين.
بل إن أوروبا أرادت أن تقول للعرب إنهم يجب أن يعيدوا الثقة في الأوروبيين الذين أرادوا أن ينفضوا عن أنفسهم السنوات أو العقود التي استراحوا فيها للقيادة أو التبعية لأميركا الدولة العظمي، وتحولوا من دولة مستعمرة للمنطقة أو أصحاب النفوذ المطلق لدول تابعة تنتظر القرار والرأي الأميركي في كل صغيرة وكبيرة في الشرق العربي والأوسط عموما، بل في العالم كله،تلك التحركات كانت وراءها تحركات أخرى لم يعلن عنها.
وبغض النظر عن نتائج التحرك المصري والمبادرة الفرنسية فإنها شكلت رسالة للضمير العربي والعالمي وإحساسا قويا للرأيين العربي والعالمي، بالرغم من المشاكل الكبرى والاضطرابات التي تعترض المنطقة والعالم جراء الحرب على الإرهاب خاصة المتأسلم والمقاتل تحت مسميات إسلامية أو دولة الدواعش وغيرها.
وبالرغم من سقوط دول عربية أخرى في سوريا والعراق وليبيا وحرب اليمن والاضطرابات الإقليمية الواسعة مع شركاء الإقليم تركيا والأكراد، والحروب الممتدة بالوكالة مع إيران في سوريا والعراق ولبنان واليمن، أو ما يعرف بالصراعات السنية – الشيعية، أو الخلافات المحتدمة داخل المذهب الواحد، وتأثيرات الربيع العربي في مصر والمغرب كله بل وفي الخليج العربي،فإن قضية فلسطين أعادت التحركات الأخيرة لها الاعتبار والمكانة، ليست المفقودة بل المتوارية.
وظهر أن القضية وأن القدس  لهما الزخم نفسه، من خلال إشارة اليونسكو إليها بأنها من التراث العربي والإسلامي، وإلى المسجد الأقصى كمعلم للديانة الإسلامية، وأن الجميع أعادوا تأكيد أن مفتاح مواجهة الإرهاب والتطرف في المنطقة والعالم تمسك به القضية الفلسطينية وعلاقة العرب والإسرائيليين، بل إنها مفتاح السلام العالمي.
كلمات في مصر ومبادرة في فرنسا أحرجت إسرائيل ووضعتها في خانة الدفاع، ولم تجرؤ على انتقادها وإلا ظهرت كدولة راعية للإرهاب وضد السلام الإقليمي والعالمي.
وهنا تحرك المتطرف نتنياهو لإجهاض المبادرة والرؤية المصرية عبر تغيير درامي في حكومته عندما أقال وزير دفاعه موشيه يعلون وجاء بغريمه الدائم والشخصية المثيرة للجدل ليس في إسرائيل وحدها ولكن في العالم، ليبرمان زعيم إسرائيل بيتنا وزيرا للدفاع وعلى رأس المؤسسة العسكرية الإسرائيلية صاحبة النفوذ القوي، بل الأقوى في الدولة العبرية، وهو رجل غريب الأطوار وبلا تاريخ عسكري يفرض عنوة على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية العريقة والقوية.
هذه الخطوة لم تكن متوقعة على الإطلاق في إسرائيل، بل كشفت مصادر مطلعة أن الاتفاق قبل حديث الرئيس المصري والمبادرة الفرنسية تم مع المبعوث السابق للرباعية الدولية توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق، وكان يقضي بإنجاز صفقة سلام كبرى عربية إسرائيلية برعاية أوروبية مقابل تنازلات إسرائيلية للفلسطينيين تؤدي إلى تطبيع علني ومباشر بين العرب والإسرائيليين، وهذا التوجه يستلزم تشكيل حكومة إسرائيلية موسعة تضم المعارضة الإسرائيلية بزعامة إسحاق هرتزوج زعيم الحركة الصهيونية المعارض، إلى جوار نتنياهو الرجل القوي في إسرائيل، أي حكومة تكون قادرة على المضي في استحقاقات السلام، وتكون قادرة على الخوض في هذا المسار الصعب الذي يفترض توافقا بين القوى الإسرائيلية.
أعدت التحركات إذن لهذا التحرك الكبير الذي وافق عليه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الدوائر الأوروبية في العاصمتين الكبيرتين القديمتين لندن وباريس، بين بلير وفالس ونتنياهو بمعرفة ومتابعة من القاهرة، وكان المسرح معدا لمشهد سياسي معتبر وجديد يدشن لحقبة جديدة وعالم مختلف، وفي الوقت الذي كان ينتظر المهتمون إذ نتنياهو العنيد يخرج من السياق ويدفع بليبرمان بديلا عن هرتزوج في الائتلاف الحكومي، معلنا عن حقبة جديدة من التطرف والتعصب لتقول إنه لن يتغير وإنه مستمر بحكومة أكثر يمينية وأكثر تطرفا يرمز بها إلى قطع أي صلة لحكومته بتحركات السلام الأخيرة إقليميا ودوليا، وبديلا عن مؤتمر دولي للسلام يغري الفرنسيين بمباحثات ثنائية مع الفلسطينيين قاصدا فرض إملاءات إسرائيلية جديدة عليهم، وإمعانا في التنكيل بهم ورفض الاعتراف والتسليم بحقوقهم في دولة مستقلة.
وهكذا تطل إسرائيل علينا بالوجه القبيح نفسه الذي عرفت به منذ قيام دولتها في منطقتنا ضاربة بكل الأعراف والقوانين والحقوق، ومتمادية في تأجيج الصراعات والحروب.
وبالرغم من ذلك فإن معاناة العرب وحروبهم الراهنة وظروفهم الصعبة لن تنسيهم قضيتهم الأولى فلسطين، ونحن لا يسعنا ونحن نرقب هذا الموقف والتعنت الإسرائيلي إلا أن نؤكد حقوق الشعب الفلسطيني وانتصار قضيته العادلة، وأن القدس العربية هي عاصمتها، وأننا رغم أن صلاتنا الآن نحو الحرم المكي لن تنسينا قبلتنا الأولى نحو الأقصى وحرمنا الثالت الذي بشرنا الخالق في محكم كتابه بأنه بارك حوله.
وإن قناعتنا أن إسرائيل هي الخاسر الأكبر في تأخر السلام برغم معاناة العرب كلهم والفلسطينيين خاصة.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث