جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 29 مايو 2016

العرب والفساد

ذات مرة كتبت مقالاً مطولاً عن حالة الفساد في العالم العربي، قلت فيه إن الحياة اليومية أصبحت للإنسان العربي ممتلئة بالسلوكيات الفاسدة التي أضحت تشكل نمطاً مكرراً في هذا المجتمع أو ذاك، والتي أصبح من خلالها لكل شيء ثمن: للانتخابات ثمن، وللعلاج ثمن، وللتشريع ثمن، وللحصول على مناقصة ثمن، وللحصول على التعليم ثمن... الخ. وعندما يكون لكل شيء ثمن، فإنه من الطبيعي أن يصبح الفساد ثقافة سائدة في المجتمع،
ما ينتج عنه غياب المساءلة وتعطيل أدوات الرقابة. وفي ظل هذا الجو الممتلئ بالفساد يصبح الاصلاح انتحاراً للفاسدين القابعين في أدوار الدولة العليا.

وذهبت الى انه، وفي مثل هذا الوضع، تكتسب فلسفة «الأواني الفارغة»، وكما وصفها استاذنا المرحوم محمود المراغي، أهميتها القصوى، وجود برلمانات من دون وجود تشريع، وجود ديوان محاسبة من دون وجود رقابة، وجود جامعات من دون وجود تعليم، وجود مستشفيات من دون وجود علاج، وهلمّ جرا. ويمكن القول ان من يسيطرون على جميع أمور الدولة ومقدراتها، والذين هم في العادة منزهون كليا عن المساءلة، يعتبرون عاملاً رئيساِ في تمتين علاقات الفساد وتطويرها في المجتمع، كما انهم يشكلون عائقاً صلباً ضد عمليات الاصلاح، ما يتعذر معه تحقيق الحكم الصالح في هذه الدولة أو تلك. ناهيك عن دورهم في تمتين موقع «القلة الألوجاركية» تتشكل نتيجة تزاوج العلاقات والمصالح بين من يملكون السلطة ومن يملكون الثروة، التي تتحكم في كل مناشط الدولة.

وعللت انه، ونتيجة لذلك، لم تعد الذهنية الانضباطية، والمقصود بها انضباط الفرد، مهما كان شخصه ومهما كان منصبه، للقانون والالتزام به، تلعب دوراً فاعلاً في الحياة العامة. وعليه فإننا لم نعد نتعجب من سيادة نموذج «القدوة الفاسدة» في مقابل تقهقر نموذج القدوة الحسنة.

قلت ذلك قبل أكثر من خمس سنوات، ويبدو أن الوضع لا يزال كما هو عليه، وأن الليلة
لا تزال أشبه بالبارحة، إن لم تكن هي البارحة ذاتها.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث