جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 29 مايو 2016

مدنية «النهضة» التونسي.. حركة تصحيحية أم تقية سياسية؟

أطربتني بشدة أحاديث الشيخ راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة التونسي، أحد فرق الإخوان المسلمين في المنطقة العربية والعالم، خاصة أحاديثه للصحافة العالمية، ولا سيما الغربية منها عن فصل الدين عن السياسة، وأنه لا يعد حزبه أحد أفرع الإسلام السياسي، وأنه ينزع إلى الديمقرطية بمعناها الصحيح.

ولكن الديمقراطية واحدة لها تعريف محدد وتتسع للجميع، للإسلاميين وغيرهم بشرط احترافها وليس استخدامها للتسويق وجذب غير الإسلاميين إلى حظيرتهم، ثم بعد ذلك يتعاملون معهم بكل أساليب التهميش والاقصاء، بل والتعالي الفارغ والأجوف على من هم ليسوا منهم، كما حدث من فريقهم الرئيسي «إخوان مصر».

فقبل صعودهم للحكم في مصر اعتبروا أردوغان التركي امامهم، وبصعودهم للسلطة بلغ تبجحهم وغلوهم، ولا أريد أن أقول حماقتهم في تلك اللحظة أن أصبح امامهم أردوغان موضة قديمة لا يعرف شيئا عن مصر، ولم يقبلوا منه كلمة بسيطة لأنه علماني – إسلامي.

إخوان مصر بلغ بهم الحمق والرعونة أنهم كانوا يهمشون ليس الأحزاب الأخرى، أو القوى السياسية المنافسة، بل الأقليات الدينية ومؤسسات الدولة كالجيش والشرطة والقضاء والإعلام، بدأوا من جديد مع كل الناس بمبدأ من ليسوا منا وأعضاء في جماعتنا ليسوا مواطنين، وليس لهم أي حقوق، بل مطلوب منهم التبعية والرضوخ والخوف، عاملوا الكل بدونية مخيفة صنعت كراهية وعنفا في المجتمع المصري لهم ولغيرهم، ولا أعرف متى يشفى المصريون من هذه اللحظة المخيفة التي تهدد مستقبل واستقرار الوطن، لأن الإخوان حكموا عاما واستولوا على الوطن 4 أعوام عقب الفوضي أو ما سمي الثورة.

الإخوان في الحكم أعداء الكل، حتى هم أعداء أنفسهم لا يهزمون أحد بل هم يهزمون أنفسهم، وبعد سقوطهم لم يقبلوا حكم الناس وانقلبوا على الكل وأشاعوا في المجتمع روح الكراهية والخوف، وسعوا لتعميق هوة الخلاف بينهم وبين الناس بتشجيعهم الإرهاب وقتل الناس وضرب اقتصاد بلادهم، ذلك الوجه القبيح الذي ظهر في الحكم ولحظة السقوط ماذا نفعل معه ونحن نرى أحد وجهاء الإخوان وأكثر عقولهم فهما - أقصد الغنوشي - يطرح مبادرة جديدة لذلك التيار العريض في الشارع الإسلامي المتبني توجهات الإسلام السياسي والمحتضن للتيارات المتأسلمة، بل يحتضن ثقافيا التيارات المجاهدة والتكفيريين من طالبان والقاعدة وصولا إلى النصرة وداعش وتياراتهم المخيفة التي تملأ الساحة، ليس عربيا أو إسلاميا فقط بل عالميا.

من ناحيتي لم يطربني الغنوشي لأنني لا أستطيع أن ألغي عقلي وأعطيه اجازة، فأنا أخاف جدا من المتأسلمين، وأشعر أننا نحتاج إلى مساعدتهم في التفكير ليخرجوا من مأزقهم التاريخي ويندمجوا في مجتمعاتنا ولا يعلنوا الحرب علينا.

الغنوشي مفكر إسلامي مثله مثل حسن الترابي، نجح الثاني في تمييز حركته السودانية عن حركة الإخوان الأم في مصر، كما كان لفكر الغنوشي فعل السحر في تجنيب التجربة التونسية الصراع الداخلي واطالة عمر جماعته وعدم اصطدامها بالمجتمع التونسي، ويبدو أن الغنوشي اكتشف أن ما فعله لا يكفي فقفز بفكر جديد سيكون ثورة تصحيحية وتقدمية كبيرة للفكر الإسلامي تجاه الحكم والسلطة، لكنه فكر يحمل ازدواجية، فهو يقول كلاما ولا يفعله، أو يقول كلامين ويتحدث لغتين، احداهما لنا والأخرى للغرب.

فلو رصدنا ما قاله رئيس حركة النهضة التونسية لصحيفة «لوموند» الفرنسية بأن حركته ستخرج من الإسلام السياسي لتتحول إلى حزب سياسي ديمقراطي ومدني له مرجعية حضارية مسلمة وحداثية، قال بدقة ونحن نسجلها ونثمنها ونحسبها له حتى نحاسبه عليها هو وجماعته وحزبه، قال نحن نتجه إلى أن نكون حزبا يحتضن فقط الأنشطة السياسية، نريد أن يكون النشاط الديني مستقلا عن النشاط السياسي هذا أمر جيد للسياسيين لأنهم لن يكونوا في المستقبل متهمين بتوظيف الدين لغايات سياسية، تلك المعضلة الكبري هل حلها الغنوشي في تونس كما حاول الترابي أن يحلها في السودان ولم يستطع، وهل يظهر مفكر ليفك الارتباط بين إخوان الخليج وإخوان مصر  والشام.

هذا التصور سيكون له فعل السحر على الحركة الإسلامية أو المتأسلمين وبعض العرب، فحرية المعتقد منحها الإسلام لأبنائه وفي حالة صحتها ستتغير الرؤى التي انبعثت من رؤى حسن البنا وبعده سيد قطب، وستحاصر الإخوان المسلمين في مصر وتجبرهم على اعادة التفكير وبحث أوضاعهم الداخلية ومستقبل حركتهم بعد الانهيار الكبير والكراهية التي صنعوها بين المصريين، وستكشف عوار فكرهم وضعف وانهيار تنظيمهم وعدم قدرته على التكيف مع المتغيرات المحلية والاقليمية التي طرأت على العمل السياسي والديني في المنطقة.

لكن الغنوشي وحركته سيكون عليهم أن يثبتوا أنهم صادقون فيما يقولون، وأنهم لا يقدمون تقية سياسية جديدة، أو يمارسون الازدواجية التي اشتهرت بها التيارات المتأسلمة، ليهربوا من الضغوط التي يواجها تيارهم سواء في الداخل التونسي أو في المحيط الاقليمي بعد فشل التجارب في مصر وليبيا وسوريا والعراق، وانكشاف انتهازيتهم المقيتة وعدم مراعاتهم مصالح الشعوب، بل ضربهم للدين نفسه في سبيل أن يلعبوا دورا سياسيا وأن يحكموا.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث