جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 19 مايو 2016

مطلق الحرية وضوابط الإنسانية

تمثل الحرية جوهرة التاج الإنساني وهي أقدس القيم الإنسانية وأعظم المنح الإلهية والنعم الربانية وهي التي جعلت الشاعر الهندي الكبير طاغور يشير إليها بقوله «أنا أعبد الله وأؤمن به لأنه أعطاني الحرية في أن أكفر به، ولم يمنعني رزقي فعلمت أنه إله حق». نعم الحرية نعمة عظيمة وأيضاً أمانة ثقيلة فهي كالماء الذي يروي شجرة الإنسانية لتؤتي أكلها من الإبداع الذي يُثري الحضارات البشرية.
ولكن ثمة فارق كبير بين الحرية المطلقة والحرية المنضبطة،فالأولى هي نوع غير ملتزم بوعي ثقافي حقيقي وضوابط شرعية وأعراف مجتمعية و للأسف غايتها الفوضى وقد تتحول بالتدريج إلى شر مستطير لا تؤمن عواقبها، هي نوع من اللا منطق والخرافة التي تقتحم حدود حريات الآخرين وتعكر صفو العلاقات الإنسانية الراقية، هي وهم أشبه بكرة الثلج التي تكبر مع انحدارها اللا أخلاقي غير مكترثة بأي معايير ملزمة للفرد في إطار الكيان المجتمعي.
أما الحرية المنضبطة المسؤولة فهي المعنى الحقيقي للحرية في المفهوم الإنساني، هي التي تحدد حقوق كل فرد وواجباته، ما له وما عليه، وهي في المفهوم الإسلامي الإنساني مقترنة بأحاديث النبي «صلى الله عليه وسلم» لا ضرر ولا ضرار،وأنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، هذه الحرية المنضبطة هي المفهوم الحقيقي للحرية المغلفة بالتواضع والالتزام والمسؤولية وهي التي تخلق التوازن بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المجتمعية، وقد أوجزها الأديب الروسي الشهير ليو تولستوي حينما قال: «ليست الحرية هي أن تفعل ما تريد،ولكن الحرية هي أن تريد ما تفعل»،  بمعنى أن الحرية هي أن تمتلك أسباب ومبررات ما تريد فعله قبل أن تفعله حتى يكون كل فرد مسؤول عن أفعاله أمام المجتمع وهذا لا ينتقص غالباً من الحرية الفردية والتي تختلف من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى ومن حضارة لأخرى لأسباب دينية وجيوسياسية وعادات وتقاليد محلية يصل بعضها للأسف إلى السلطوية التي تسلب الناس الحد الأدنى من حرياتهم وهذا منطق إنساني مرفوض قطعاً.
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بدوره يرى أن الحرية تنقسم إلى قسمين، الحرية السالبة والحرية الموجبة، فالحرية السالبة هي الحرية الفردية التي تسمح لصاحبها بأن يتحرر من قيوده الفكرية بحثاً عن المعرفة، والحرية الموجبة هي حرية المجتمع بأكمله والذي يسمح لأفراده أن يعبروا عن ما يجيش بصدورهم من آراء وأفكار تخلق مساحات للإبداع والتحرر من الجمود، وهذا النوع الأخير نجده فقط في المجتمعات المتحضرة والمتقدمة في الجوانب الثقافية والعلمية والسياسية والاجتماعية وهي ثمرة الكفاح المرير بين الفرد ومؤسسات المجتمع المتسلطة فكرياً والمهيمنة معرفياً والمحتكرة للقوة والحقيقة، فقد طلبوا الحرية وكافحوا من أجلها ونالوها وحق لهم أن يتمتعوا بها.
وللأسف في مجتمعنا العربي نفتقد للمفهوم الحقيقي للحرية والتي رسخها ديننا الإسلامي الحنيف وسبقنا إليها آخرون، الحرية في عالمنا العربي في مأزق كبير بسبب ضيق الأفق والفهم السقيم لمقاصد الشريعة من رحمة ومساواة ومسؤولية فردية واحترام حقوق الآخرين في العقيدة والمذهب والتوجه الفكري، الحرية الحقيقية هي التي تنطبق عليها المقولة الشهيرة «أنت حر ما لم تضر»، الحرية الحقيقية هي الحرية المنضبطة بضوابط إنسانية لا تعطي لأحد توكيلاً ليفتش في ضمائر الناس ويحاسبهم على ذلك وفق الأهواء والميول والتوجهات، الحرية الحقيقية هي الدين النصيحة والوعظ والإرشاد، لا ينبغي علينا أن نشوه معنى الحرية المنضبطة لنتسلط على بعضنا البعض، وعلينا أن نوجه أبناءنا وشبابنا وننصحهم ونرشدهم إلى ما يناسب ديننا ومجتمعاتنا من قيم ومثل عظيمة تحب الخير للبشرية جمعاء وتجود بما يعظم ما هو متفق عليه إنسانياً.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث