الإثنين, 16 مايو 2016

كيف نصنع الضمير؟

الضمير كما هو متعارف عليه علميًا وبشكل مبسط: هو قدرة الإنسان على التمييز بين الخطأ والصواب أو بين الحق والباطل، وهو الذي يؤدي إلى الشعور بالندم عندما تتعارض أفعال الفرد مع قيمه الأخلاقية والى الشعور بالاستقامة أو النزاهة عندما تتفق أفعاله مع قيمه الأخلاقية، مع ملاحظة أن المقصود بالقيم الأخلاقية هنا قد يختلف باختلاف البيئة أو النشأة أو مفهوم الأخلاق لدى كل إنسان، أما لغويًا فالضمير هو ما تضمره في نفسك أو هو استعداد نفسي لادراك الخبيث والطيب من الأعمال والأقوال والأفكار والتفرقة بينهما واستحسان الحسن واستقباح القبيح منها.
كل ما تم ذكره سابقًا هي تعريفات عامة للضمير، ولكن إلى الآن لم نعرف كيف يمكن أن يتكون الضمير في وجدان الإنسان؟ أو بمعنى أدق كيف نخلق الضمير في النفس البشرية؟ وهنا تكمن المشكلة. فالضمير لا يتكون هكذا وحده، ولا هو بالأمر الفطري الذي يتواجد مع الإنسان، وانما هو عبارة عن زرع لبذور الفكر والخير والفضيلة في عقل ووجدان ونفس الإنسان، لكي يقوم العقل بعدها بواجبه وهو التفرقة بين ما هو خطأ وبين ما هو صواب، وتتحدد نسبة الضمير عند الإنسان بناءً على تربيته والظروف الخاصة المحيطة به منذ صغره. هكذا يتكون الضمير.
هذا بالطبع لا يمنع أن يكون هناك أشخاص لم يُحسن ذووهم تربيتهم، ومع ذلك يتعاملون بضمير مع الأشياء، أي بما هو حسن وصواب. وفي الوقت ذاته، لا يمنع أن يكون هناك أشخاص تلقوا تربية رفيعة وفاضلة، ومع ذلك يتعاملون بما هو خطأ وسيئ مع ما حولهم، أي بلا ضمير، ولكن هذه حالات نادرة لا يجب التوقف عندها والأخذ بها كقدوة، فالحياة تصقل أحيانا البشر، وأحيانا أخرى البشر هم من يصقلون حياتهم بطريقتهم التي يجدونها أسهل الطرق للوصول إلى الغاية في أنفسهم.
ان المهم في هذا المقال، والذي يجب أن نبدأ به في مسألة الضمير، هو أن نُعلم الناس معنى الضمير، ومن ثم نُعاتبهم على بيع ضمائرهم، فنحن نقع في مغالطة عندما نقول باع ضميره وهو لا يعرف ما هو الضمير. ومما يتكون. وأين يوجد. وكيف يُوظفه. فالضمير كما قلنا يتكون من مجموعة من المبادئ الحسنة التي تغرس في نفس الإنسان منذ الطفولة، والتربية هي أول طريق لخلق الضمير في نفس الطفل، فيجب أن نُعلمه مثلا كيف يحترم الكبير، وكيف يرفض أن يأخذ حقًا ليس له، وكيف يتعاطف مع المحتاج، وكيف يقول الحق ولو على نفسه، وكيف أن التنافس يجب أن يكون شريفًا، وأن التعاون هو أحد أهم الأسباب التي ترفع من شأن البشرية.
أما أين يوجد الضمير؟ فهو في العقل قبل الوجدان، فالعملية مكتسبة أكثر منها وراثية إلى أن تصل الوجدان وتصبح جزءًا أصيلاً في الشخصية. ولماذا العقل؟ لأن الله كرمنا كبشر بالعقل، وهو أقوى من العاطفة التي قد تجعلك تتعاطف مع مجرم دون أن تعلم عنه شيئًا، وتقدم له خدمة قد تتساءل عليها قانونيًا ان غاب عقلك وغلبت عاطفتك.
لذلك يجب علينا من الآن خلق الضمير في أجيال المستقبل، ولا نعير من باع ضميره اهتمامًا، فنحن نشغل أنفسنا بآفة قد تلحق بِنَا في حال حاولنا محاربتها بالمحاسبة فقط، ان المحاربة الحقيقية لآفة انعدام الضمير هو خلقه في أجيال المستقبل، الأمر الذي يجعلنا أصحاب ضمير.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث