جريدة الشاهد اليومية

السبت, 07 مايو 2016

الإسراء والمعراج دروس وعبر

تحتفل الأمة الإسلامية في أيامنا هذه بذكرى ليلة الإسراء والمعراج وهي الذكرى التي تجدد لنا سنويا بعض المعاني العظيمة التي تميز الرسالة المحمدية الإنسانية وقيادتها الروحية للبشرية أجمع، هي الرسالة التي أراد الله أن ينتزع بها البشر من خطاياهم إلى رحاب وأفق الإنسانية الواسع.
الإسراء والمعراج ليست مجرد حدث عادي أراد الله به أن يخفف من معاناة نبيه بعد عشر سنوات من المعاناة والجحود بين قومه في مكة وبعد فقدانه لأقرب الناس إليه عمه أبو طالب وزوجته الحنون الصديقة خديجة، ولكن هي مرحلة فاصلة ارتقى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - من جفاء أهل الأرض وقسوتهم إلى احتفاء الله به وتكريمه بأعلى مقامات العبودية لله، فالمعراج كان عروجاً وارتقاء في المكانة وليس المكان، فالله موجود معنا أينما كنا وحيثما نكون،يريد الله بقوله تعالى «سبحان الذي أسرى بعبده» أن يبين لنا المعنى الحقيقي للعبودية له، لم يقل برسوله ولكن بعبده، ومن هنا يتضح لنا أن الله نقل نبيه من مقام البشرية المادية إلى أرفع المقامات الروحانية في العبودية لله، فالعبودية لله هي الإنسانية في أعلى درجاتها وأرقى معانيها، فكلنا في مقام البشرية وكينونتها وخصائصها من دوافع وغرائز ونوازع وجبلات نتساوى فيها ولكن لسنا كلنا إنسانيين، فالعبودية لله والإنسانية درجات ومقامات لا يعلمها إلا الله ونبينا الكريم قد أوصله الله بعبوديته إلى الإسراء والمعراج وهي أعلى  المقامات التي لم يصل إليها أي مخلوق قط.
كانت الإسراء والمعراج مكافأة السماء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد كفاح وجهاد عشر سنوات وبعد رحلته للطائف والتي لقي فيها من سفهائهم الوجه المتجهم والرد الخبيث الذي يفتقد لمعاني المروءة والشهامة وكرم الضيافة بل وجعلوا أطفالهم وسفهاءهم يلقونه بالحجارة حتى أدميت قدميه الشريفتين فلم يكن رده إلا بالدعاء لهم بالهداية وأن يخرج من أصلابهم من يوحد الله، ما لقيه النبي ومعه أهله من بني هاشم من حصار اقتصادي في الشعب لثلاث سنوات حتى أكلوا أوراق الشجر يمثل قمة الإخلاص في التفاني ودعوة الناس إلى المنهج الحق والصراط المستقيم وعموما ما لقيه النبي في السنوات العشر الأولى من بعثته تضيق المقالات والمجلدات عن وصفه لذلك كانت هذه الرحلة العظيمة للتسرية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والتخفيف عنه بعد كل ما لقيه من جفاء وقسوة وألم وكأن الله يريد أن يعلمنا أن الجهاد الحقيقي في الوصول لمرضاته هو جهاد النفس والصبر حتى ينعم علينا بنعمة اليقين ويرفعنا إليه في مقامات العبودية والإنسانية وذلك هو الفوز العظيم.
لقد أراد الله برحلة الإسراء والمعراج أن يمتحن المؤمنين الموحدين في زمن رسول الله وإلى يومنا هذا، فأنكر منكرهم وسخر ساخرهم وآمن مؤمنهم وهذا أكبر رد على المجتهدين الجدد الذين أثبتوا الإسراء ولم يثبتوا المعراج تارة لأسباب شرعية بحجة عدم ذكرها صراحة في القرآن، وتارة لاستحالتها علميا وفيزيائيا، فكما أراد الله أن يرفع بها مقامات المؤمنين ويرفع من همتهم وجهادهم في سبيله كذلك أراد أن يفتن بها المتشككين وذلك من سنن الله التي تجري في خلقه وبينهم في كل زمان ومكان وكل يسير على درب أسلافه، فالغيب والشهادة هما وجهان لعملة الدين، والأدلة المتواترة في القرآن والسنة تثبت معراج النبي والاختلاف على المعراج هل كان بالجسد أم بالروح لن يفيد القضية الإيمانية في شيء ولكن هي امتحان للقلوب المؤمنة ودروس عظيمة بأن المجاهدين في سبيل الله بالعبودية والإنسانية سيجزيهم الله خير الجزاء في الدنيا والآخرة.
يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي إن وجود النور والظلام يثبت وجود كلاهما، فكيف نعرف الضوء بدون معرفة الظلام والعكس صحيح، فلو وجد الضوء باستمرار لما عرفنا ما هو الظلام،  هذا في حق قوانين المخلوقات، ولكن العارفين بالله يقولون إن الله من فرط ظهوره وديمومة آياته خفي عن الجاهلين.
لذلك علينا في حياتنا الدنيا القصيرة أن نضع معاناة النبي صلى الله عليه وسلم في بداية بعثته نصب أعيننا لكي نعلم أن الوصول إلى رضوان الله يمر بجهاد أنفسنا وكثرة الدعاء والتضرع والرجاء أن يعوضنا بخير ما يعوض به الصالحين من عباده.
إن أمتنا الإسلامية في أشد الاحتياج لتلمس العبرة والعظة من هذه الذكرى الطيبة المباركة، حتى يتحرر الأقصى من أيدي الصهاينة المعتدين  يجب أن تعلم الأمة الإسلامية أن القيادة الروحية للعالم انتقلت من بني إسرائيل إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكي نحقق هذه القيادة علينا أن نتحقق بمعاني ودروس الإسراء والمعراج.
ليلة الإسراء والمعراج ليلة غُسلت فيها أحزان الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد عام الحزن، فاللهم كما جعلتها ليلة دخول الفرح والسرور على قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم بعد أن طال حزنه فاجعلها ليلة فرح وسرور على أمته خفف اللهم آلامها، واشف بفضلك سقمها، وارفع عنها ما حل بها من أذية وبلية.. اللهم قد وعدت نبيك في كتابك العزيز «ولسوف يعطيك ربك فترضى» فلا تحرمه يا الله من رؤية ما يسره في أمته، اللهم آمين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث