جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 11 أبريل 2016

ولا يوم طين

ضاقت اعتماد بالنفى، فَقَدَ الزوجُ مُلكه. ترك مملكته منفياً ومسلوب الإرادة. مضى زمن المجد، والشعر، والفروسية. تركوا الوطن ملوكاً ونزلوا المنفى عبيداً. أربع سنوات وما عادت تطيق صبراً. ملكٌ سابق، بلا حيلة، لا يملك قوت يومه. تعمل بيديها هى وبناتها كي يجدوا ما يأكلون. انفجرت في وجهه، «لم أرَ معك يوم هناء»، حملت كلماتها ما لا يوصف من ضيق وغضب وقهر. نظر إليها في عتاب، ثم عقب فى هدوء «ولا يوم طين». شملها خجل وأسى. ما عادت تدري كيف تخفي خجلها من ذاكرة تشدها إلى زمن بعيد لا يُنسى.

«رُميكة» جارية مثل آلاف الجواري في إشبيلية. تمضي أيامها في خدمة سيدها وغسل الأواني عند ضفة النهر، لتعود بأوانٍ نظيفة وأقدام يغطيها الطين. فاتنة، تبحثُ عن أملِ يفاجئها به غدٌ لا تعرف متى يأتي. أقصى ما تنتظره أن تصبح حرة. تهب حياتها لزوجها وأطفالها. يأخذها الخيال بعيدا، تحب وتكره، تنجب الأولاد والبنات. يكبرَ الأولاد وما تكبُر. حلم بعد حلم، ما عاد لها سوى الحلم.

لم يحمل صباح ذلك اليوم ما يوحي بأنه ليس كأي يوم. تقف رُميكة فى الطين مع صويحباتها، تغسل أوانيها حين مر بها رجلان، يبدو من هيئتيهما أنهما ذوا شأن. على الرغم من تقارب خطوهما، إلا أن أحدهما يخاطب الآخر كسيد. المعتمد بن عباد، ملك إشبلية، ووزيره ابن عمار، هذا ما عرفته من سيدها. فُتن بها المعتمد، عجبه لحظها ومنطقها، أعتقها من سيدها، اشتق لها اسماً من اسمه، اعتماد، وتزوجها. هام بها وما رد لها طلبا. اشتاقت إلى رؤية الثلج، فزرع لها أشجار اللوز على الجبال، حتى إذا ما أزهرت كسا لونها الأبيض الثلجي قمم الجبال.

المعتمد بن عباد، أحد أبرز ملوك الطوائف. تلاشت الدولة الأموية التي أسسها عبدالرحمن الداخل في الأندلس ليبدأ عهد الطوائف. أكثر من عشرين ملكا يتولى كل منهم حكم مدينة. مرسية، قرطبة، إشبلية، غرناطة، طليطلة، وغيرها. بدلا من أن يتحدوا استقل كل منهم بمدينته. على الجانب الآخر، وحد ألفونسو السادس إمارات عدة تحت قيادته. ضعف هنا وقوة هناك. جزر ومد. قطعة قطعة تسقط الأندلس ولا أحد يعتبر، ظن كل حاكم أنه الأقوى، وما حكم. استعانوا ببعضهم على بعض، وبغيرهم على بعضهم. استعان المعتمد بيوسف ابن تاشفين سلطان المرابطين لصد هجوم ألفونسو. ثم ما لبث ابن تاشفين أن انقلب عليه ونفاه أسيراً إلى المغرب.

تسترجع اعتماد ذكرياتها، تتذكر وقفتها فى شرفة القصر لرؤية صويحباتها وهن يغسلن أوانيهن في النهر. اشتهت اعتماد حمل الأواني وغسلها في النهر. تعجب المعتمد من طلبها، فألحت. استشار صديقه وكاتم سره «ابن عمار» (والمنقلب عليه بعد حين)، فأعد لها طريقاً للنهر مغطى بالحناء المعجونة بالطيب وماء الزهر بدلاً من الطين، ينتهي بحوض كبير اختلط ماؤه بالعطور. مشت اعتماد فوق الحناء. تغوص قدماها فيصطبغ الكعب البض الأسيل باللون الأحمر القاني. نزلت الحوض واغتسلت بالطيب. لوحتها الشمس، فزاد ألقها. يوم مشهود لا تنساه اعتماد، ولا إشبلية التي أطلقت عليه «يوم الطين». ليتساءل العامة، إذا كان هذا يوم الطين الذي عاشته اعتماد، فما بال يوم هنائها.

أعادت كلمات المعتمد ذكريات العمر أمام عينيها. خجلت من نفسها قبل أن تخجل من زوج خانه أصدقاؤه ليعيش مغلوباً على أمره ويموت كمداً. مضى زمن ملوك الطوائف، ومضى زمن المرابطين، ثم دولة الموحدين، فدولة بني الأحمر لتسقط الأندلس، تماماً كما تسقط دول كثيرة الآن. حفظ الله الوطن.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث