جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 23 مارس 2016

إمام المعلوماتية

وإن صخراً لتأتم الهداة به

كأنه علمٌ في رأسه نارُ

وجدتني أردد هذا البيت عندما قرأت نعي العلامة الدكتور نبيل علي، رحمه الله. أما البيت فهو من قصيدة ترثي بها الخنساء أخاها صخراً، ولم أشغل بالي بالربط بين توارد البيت وفجيعتي في إمام علم المعلوماتية والبرمجيات، أول من انطق الحاسب اللغة العربية عبر كمبيوتر «صخر».

العرب وعصر المعلومات، الفجوة الرقمية، العقل العربي ومجتمع المعرفة، وغيرها من مؤلفات العلامة الدكتور نبيل علي خريج هندسة الطيران، الضابط بالقوات الجوية في أصعب فتراتها، خبير الحاسبات واللسانيات، تحملنا كتاباته إلى عوالم فريدة، فسيحة، تمتد تضاريسها دون تقاطعات، الثقافة، الاقتصاد، علم الاجتماع، السياسة، الهندسة، الفن التشكيلي، الجغرافيا، التاريخ، الأدب العربي كلها تلتقي، تأتلف، تتناغم في كتاباته.

منحته خلفيته الهندسية براعة تبسيط المنظومات المعقدة إلى مكونات أصغر، يفكك أجزاءها في حرفية ومهارة، ويعيد تركيبها في أشكال غير مسبوقة، علمنا إعادة التفكر فيما يحيط بنا من ثورة رقمية وطوفان معلوماتي هادر جراء تحول الذرات إلى «بتات» بمعنى تجريد المحتوى المعرفي الساكن والمقيم في مخطوطاتنا، وأوراقنا، وخرائطنا من طبيعته المادية «ذرات» إلى نبضات قوامها صفر وواحد «Bit», لم تعد القضية أن تجد المرجع الذي تبحث عنه، بل صارت كيف يمكن تحليل محتواه، ثم إعادة صياغته في أشكال وأنماط تخاطب الفكر، وتحثه على الابتكار والابداع، تحول الاقتصاد من كيان يعتمد على العتاد والمكونات المادية إلى فضاء معلوماتي يتجاوز الحدود ولا يعترف بالجغرافيا، ويحصد الأرباح. في عام 2014 حققت شركة غوغل 66 مليار دولار كصافي أرباح لتتقدم على نحو 100 دولة.

تخبرنا النظرة الفاحصة للمجتمعات في الدول النامية والمتقدمة، اشتراكهما في المشاكل واختلافهما في الرؤية، في أوائل الثمانينات، صدر تقرير «أمة في خطر» منبهاً إلى تأخر العملية التعليمية في أميركا. أيضاً، يأتي التعليم على رأس الأولويات في مصر، بقي أن نعرف ان أميركا تأتي في المركز الثالث على مقياس التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2014، بينما تحتل مصر المركز 119 من بين 144 دولة، نعم هي ذات القضايا، لكن شتان بين المعنى هنا وهناك.

تمتد رؤى الدكتور نبيل لتحليل أساسيات ومحاور تقدم الدول، امتلاك أصول المعرفة، المشاركة في صياغتها، تطويعها لخدمة الوطن، وضع رؤى المستقبل في قالب معلوماتي، ربط نظم الإدارة بالاقتصاد، بالسياسة، بديموغرافيا السكان، اتاحة وتوافر المعلومات لكل أبناء الوطن وصولاً إلى أرقى مستويات الإدراك، المعرفة. حتمية أن تنقلنا نظم التعليم بسرعة الضوء من كهوف الجهل إلى ثريات المعرفة في زمن تتسارع فيه العلوم بشكل لا يعطي فرصة للتوقف لإعادة ترتيب وصياغة العقل العربي، بل صار لزاماً علينا أن نتحرك ونتطور في آن واحد.

قاده شغفه باللسان العربي إلى الغوص في بحار اللغة الفريدة، البحث في تراكيبها، أساسيات بنائها، ملامح تفردها، شموليتها، إسهابها، اختزالها، تعبد في الكلمة، والجملة، والفقرة وصولاً إلى كشف دلالات النص المراوغ، نتأمل رؤاه البعيدة من كهوف جهلنا فلا نفهمها، نعدو إليها على مطايا العلم المشوه فلا ندركها، شابت شعورنا، شاخت أفكارنا، وانحنت اكتافنا ومازلنا في وقفتنا المترددة بين خيارات البقاء والفناء، بينما يقف الإمام في صبر منتظراً استواء الصفوف حتى يشرع في الصلاة. رحم الله العلامة الدكتور نبيل علي.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث