جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 21 مارس 2016

ممــاليك

تحت وطأة الحاجة إلى مزيد من الجند لجأ عبد الله بن هارون الرشيد –المعروف بالمأمون- إلى الاستعانة بجنود من تركمانستان يعزز بهم جيشه. من حاكم لحاكم صارت الاستعانة بالمزيد من الجنود، الذين أُطلق عليهم فيما بعد «المماليك»، ضرورة لا غنى عنها. عزز من ذلك، ثقة تتآكل، ضعف وهوان، غدرٌ منتظر، وأطماع تتمادى. في البداية استُجلب المماليك لينضووا تحت لواء الخليفة. شيئاً فشيئاً صار شراؤهم لصالح الأمراء والولاة تجارة رابحة سواء للنخاسين أنفسهم أو المماليك. يحصل النخاس على مبالغ طائلة نظير استقدام رجال أشداء يصلحون للحرب. في حين يحظى المملوك بامتيازات ترتفع مع قوته، وشجاعته. في الترتيب المجتمعي، يأتي المملوك في طبقة أعلى من أبناء المحروسة بحثاً عن الولاء المطلق، استقدم الصالح أيوب المماليك صغاراً. أجناس شتى، تركمان، فُرس، صقليون، وغيرهم. تربوا على فنون الحرب والطاعة. باقامتهم في جزيرة الروضة بالقاهرة أطلق عليهم الصالح أيوب «المماليك البحرية»، حيث زاد نفوذهم، واتسعت رقعة سلطانهم. ساندوا شجرة الدر في صد الحملة الصليبية على مصر فتزوجت عز الدين أيبك –أحد كبرائهم- فصار أول سلطان من المماليك. بهزيمة طومان باي على يد سليم الأول طويت ثلاثة قرون من حكم المماليك ليبدأ الغزو العثماني، ولا أدري لماذا يطلق عليه في كتب التاريخ «الفتح العثماني». رغم استمرار حكم آل عثمان ثلاثة قرون أخرى إلا أن المماليك ظلوا قوة يصعب تجاهلها. عاود نجم المماليك في الصعود مرة أخرى على يد علي بك الكبير واستمر حتى مراد بك الذي فر إلى الصعيد بعد هزيمته على يد الفرنساوية –على حد قول شيخنا عبد الرحمن الجبرتي. برحيل الفرنساوية حاول محمد علي إخضاع المماليك لسلطانه، فلما آيس منهم كانت مذبحة القلعة.

طويلةٌ هي رحلة المماليك مع المحروسة، بدأت منذ القرن الثالث عشر الميلادي. تفاوتت بين صعود وهبوط، كرٌ وفر، وحتى الآن لم تنته بعد. اليوم، غير المماليك ألوانهم، وأشكالهم، ورطانة ألسنتهم. محللون، متفيهقون، متسيسون، سائلون ومسؤولون. شعارهم «ساوم وبع».

بوجه أتلفته مشابك الشد ومساحيق التجميل يجملون ويقبحون. سماسرة يبيعون ويشترون بشراً، أرضاً، سماءً، بحراً. باعة جائلون على شاشات التلفاز، وميكروفونات الإذاعة. على صفحات الجرائد، والمجلات. مرتشون، وأفاقون. مؤتمنون وخائنون. عباءة ثقيلة من شحم تلتصق بجسد المحروسة. ترهل القد الرشيق. ثقُلَ الخطو وتغضن الوجه الصبوح.

حيثما نولي واجهنا المماليك. يحتلون أرصفة الشوارع، والأسواق، والمصالح الحكومية. كتلة مصمتة من الهلام يساند بعضها بعضا. يمتد فضاؤهم من صلب بيوت البسطاء والمعدمين إلى أصحاب الياقات البيضاء والمعاطف السوداء والساعات الفاخرة. كثيرون هم، عدد النمل والحصى. أتساءل، كيف هانت عليهم العشيرة. كيف رفعوا السيف في وجه الأخ والأب. كيف زجوا بيوسف في السجن. كيف وشوا بالمسيح. كيف خاضوا في أم المؤمنين. كيف صاحوا يا لثارات عثمان. كيف تخلوا عن الحسين. ثم راحوا بعد كل هذا يتوضأون بدم الشهداء خشية أن تفوتهم صلاة الجماعة.

ايه يا محروسة، كيف تسربوا إلى خلاياك. كيف ناموا بين جفونك. كيف سكنوا بين ضلوعك. ترى، من أي باب دخلوا. لكم أنت مسكين أيها الوطن الحزين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث