جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 20 مارس 2016

غداً تُغردُ العصافير

تمتد الصحراء فسيحة، منبسطة، مكشوفة، وقاسية، تتقاطع في كثير من المناطق مع سلاسل جبال تفرض طبيعتها الصخرية وحشَةً في النفس وثِقَلاً على القلب. أُناسها بسطاء، يجمعهم محبة وصفاء نفس. كرماء، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. متواضعون، حتى وان كانوا أصحاب فضل. عُمان، وطن يفرض حضوره وسماحته. دائماً وأبداً لعمان مواقف لا تُنسى.

أوائل السبعينات من القرن الماضي، تولى السلطان قابوس بن سعيد شؤون الحكم خلفاً لوالده. ورثَ بلداً أغلب أبنائه أميين. ثلاث مدارس ابتدائية هي كل ما تملكه السلطنة في ذلك الحين. بنية تحتية تُختصر في عدة كيلومترات من الطرق المعبدة الصالحة للسيارات. عدا ذلك، ينم المشهد عن طبيعة جبلية، وموارد طبيعية تتكشف على استحياء وان بدت قليلة بالمقارنة بجيرانها في الخليج العربي. «أَنََّى لهذا البلد أن يتطور»، سؤال يؤرق ذهن الحاكم.
أدرك السلطان، أن تقدم عُمان مرهون بالتعليم. لا تقدم، لا حضارة، لا رقي دون علم. عندئذ، أطلق السلطان عبارته الشهيرة «سنتعلم ولو تحت الشجرة»، ليؤسس بها منهجاً للتحدي، أصبحت به قاعات المنازل، الحقول، حتى الشوارع مدارس للأطفال. في ذلك الوقت، كانت المحروسة –رغم جراحها- نوارة الدنيا. الأخ الأكبر لكل بلاد العرب. انتشر المدرسون المصريون في أرجاء السلطنة ينشرون العلم ويؤسسون لنهضة تمتد في السهل والجبل، في الريف والحضر. حيثما وجدَ الأطفال وجدَ المعلم المصري. تحت الشجرة دق جرس المدرسة. تعلم الصغار حروف الأبجدية، رسموا مدناً تزدهر مع كل طلعة شمس. تحت ظل الشجرة كَبُرَ الصغار. خُطِطَت السلطنة على أحدث الطُرز. ويوماً بعد يوم، تتألق عُمان، تشرق شمس الأمل من أفق المستقبل، تنزاح العتمة والجهل.

لا يذكر العُمانيون كلمة مصر ولا المحروسة وانما يقولون «أم الدنيا». في البداية ظننت أنها لا تعدو أكثر من مجاملة ضيف عابر، الا أن احتكاكي برجل الشارع أكد أنها يقين في القلب. سائق التاكسي، البائع، عامل المقهى، ضابط الجوازات، كلهم يقول «أم الدنيا» عندما يعني مصر. لا ينسى العُمانيون أولى الفضل من المصريين، أولئك الذين شاركوهم شظف العيش وبناء دولتهم الحديثة. شَكلوا قوة مصر الناعمة. قوة قوامها مدرس، ومحاسب، وطبيب، وصانع، ومهندس. قوة امتلكت بها مصر قلوب العرب فأعلوا شأنها وقيمتها.
اليوم، تبحث أم الدنيا عن أولئك الأوائل الذين عمروا بلاد العرب. حولوا رمالها تبراً، وفراغها عُمراناً، وصحرائها مدناً زاهرة، وشوارعها مقصداً للزائرين. نمشي في شوارعنا غرباء، تصدمنا القمامة، والضجيج، والسباب، والعشوائيات. تنتشر مدارسُنا في كل شارع فأين الطالب والمعلم. جامعاتُنا في كل حي فأين العالِمَ. أنشغلنا بمن حولنا عن أنفسنا، فتاهت معالم الطريق. أصبحت بلاد الخليج حلماً نسعى اليه، بعد ما كنا حلما يسعوا اليه. غاب العلم فتقدم الجهل.

المحروسة شلال خير لا ينضب. يأتيني صوت الأستاذ خالد محمد خالد –رحمه الله- مردداً عبارته الشهيرة «غداً تُغرد العصافير». يأتي طفلٌ صغير، يشبُ بقدميه، يدق جرس المدرسة، يدب الأمل في خلايا الجسد الخامل. تمتد ألف يد تحملُ كلٌ منها قنديلاً. تتراجع العتمةُ في يأس، مصلوبة على الحيطان بلا حيلة، تزوي، تتلاشي. أبحث عن وجوه أساتذتي، فيطالعني ألفُ ألف وجه باسم. يعلو صوت الأطفال مردداً نشيد «بلادي بلادي»، فأتمتم «غداً تُغردُ العصافير».

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث