جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 17 مارس 2016

الروح … والنفس

يغلب على كثير من الناس الخلط بين مفهوم الروح والنفس، حيث يعتقد العوام منهم أنهما كيان معنوي واحد، وهذا غير صحيح.

ولعل سائل يسأل: ما أهمية أن نعرف الفارق بينهما؟ وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف هذا الفارق ونستوعبه جيدا في مداركنا لتتضح لنا الإجابة عن هذا السؤال المهم جدا، وهي حتما إجابة تجعل كل واحد منا يعلم حدود نفسه، وأين يقف منها في محاولة لفهم طبيعة سلوكياته ومصدرها ومن ثم كيفية الارتقاء على درجات التزكية والحكمة والنقاء الإنساني وهي بلا شك ضرورات ملحة لحياة نحاول أن نرتقي فيها بعالمنا الدنيوي وننجو بمعرفتها في عالمنا الأخروي.

النفس هي محرك الحياة في جميع الكائنات الحية من صفات بيولوجية وخصائص وتفاعلات فسيولوجية وغرائز نفسية ولكن يتميز فيها الإنسان بالتفكير والادراك والقدرة على التحكم في بعضها، لذلك يمكن أن نقول إن النفس البشرية هي عبارة عن عوالم وبرازخ تتقاطع مع بعضها البعض وتتأثر أحيانا بالزمان والمكان والتأثير البيئي والجغرافي والثقافي، وهي التي يتوفاها الله حين موتها والتي يتوقف على وفاتها كل ما يرتبط بها مما سبق ذكره، فالنفس عند الإنسان وفقا للمنظور الالهي هي الباعث والمحرك الداخلي للأفعال والسلوكيات وهي التي ألهمها الله فجورها وتقواها ليمتحن بذلك ابن آدم والذي عليه أن يجاهد نفسه ليستخلص معاني التقوى من الفجور وذلك ما أوضحناه من قبل في ضرورة أن نرتقي بهذا الجهاد على درجات التزكية والحكمة.

ولمزيد من الايضاح والتبيان لمفهوم النفس من منظور قرآني نستدل بقول الله تعالى مخاطبا الإنسان: «لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» فمصدر الخير دائما من الله والشر من الإنسان فقط كل حسب جهاده واجتهاده.

أما الروح فهي من أمر الله في البدء تقديسا وتشريفا وتكريما ويختلف معناها وفق السياق فمثلا نفخة الروح من أمر الله في ابن آدم نفهم منها الانتساب التشريفي للإنسان بخالقه في اطار ما هو مكلف به من عبادة لله واستخلاف في الأرض وتحقيق مفهوم الكيان الإنساني الجوهري، وكذلك يقصد بها ما يوحي به الله من أمره إلى رسله بواسطة الروح الأمين جبريل عليه السلام، وهكذا نجد أن مفهوم الروح يبدو لنا ظاهرا مختلفاً من موضع لآخر ولكن المصدر واحد وهي أنها من أمر الله وحقيقتها في علمه.

وعلى ذلك يمكن أن نفهم أن الإنسان ينبغي عليه أن يسلك إلى ربه وهو يجاهد نفسه بالتقوى حتى يرتقي ويقترب من مفهوم الانتساب التشريفي والذي كان في البدء نفخة من روح الله وأمر بسجود الملائكة تكريما وتشريفا لآدم وذريته. فمن يبتعد عن هذا الانتساب التشريفي بفجور نفسه فهو يسلك سبيل ابليس ويتبعه في رفض هذا التشريف والتكريم.فالجهاد ليس جهاد السيف أو الطلب كما يفهمه البعض للأسف وهو العدوان المنهي عنه في كتاب الله ولكن الجهاد الحقيقي هو جهاد النفس وطلب الحكمة والرضا والشك.

وكما يقولون في الأثر إن اللص عندما يسرق منزلاً يطفئ أنواره كذلك الشيطان يطفئ نور النفس ليسرق فضائلها بتزيينه لسوء العمل، لذا علينا أن نحافظ على تواضع أنفسنا ليشتعل القلب بضياء المحبة ويتزين الإيمان فيه بأنوار الروح طلبا لرضا خالقها جل وعلا.

نسأل الله لنا جميعا أن ينير قلوبنا بذكره وشكره ونسأله العون والاستقامة على نهج الصالحين من عباده، آمين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث