جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 08 مارس 2016

رحم الله الأخلاق

أي أخلاق تلك التي تحتاج إلى الانطلاق من أرقى وأحدث فنادق الخمسة نجوم من خلال ندوات ونداءات وحفلات تتكلف مئات الآلاف من الجنيهات حتى يتم الإعلان عنها والتصفيق لها والموافقة عليها والانضمام إليها؟

وكيف يقرر شخص ما له وما عليه الكثير مما عليه لتبني حملة الأخلاق؟ من هو وما هو تصنيفه ليكون الرمز والقدوة التي يقتدى بها «أخلاقيا»؟ وكيف نجح في إقناع الكبار من المسؤولين الحكوميين والدعاة الدينيين لتبني وإطلاق هذه الحملة وتعيين نفسه قائما عليها واضعا صورته واسمه مع شعارها؟

لعله يرى الكمال في أخلاقه ولكن ليس علينا التصديق أو الموافقة ولا حتى نشر هذا الاعتقاد الذي يخصه وحده فقط، فقد جعل من خلال دعايته للمرحومة «الأخلاق» الجميع يتساءل ويستفسر ويراجع نفسه، ليس فقط بالنسبة للرأي العام في الأخلاق ولكن للأخلاق الخاصة التي ينادي بها السيد المحترم وهو نفسه تدور حوله مئات التساؤلات وعلامات الاستفهام ولن أخوض في ذكرها الآن.

ألم يدرك أن هناك الكثير من المتواضعين والذين لا يملكون قوت يومهم يشاهدون هذه الفنادق الفاخرة ولا يعلمون أو حتى يملكوا الخيال ليتخيلوا ما يحدث بين جدرانها، لا يعلمون ماذا يقدم على موائدها وإن علموا فلن يتعرفوا عليه أو يفهموا طعمه ولكنهم يملكون الكثير من الأخلاق الكريمة التي ينادي بها هذا السيد ومن تبعه، إنما الأخلاق ومحاسنها في أن يرى المحروم غيره بما لم يجرؤ على الحلم به ويتشدق مناديا إياه بـ «الأخلاق»؟ أهذه هي المساواة أم هذا هو الظلم بعينه؟

الأخلاق صفة يتصف بها فقط الإنسان السوي، الأخلاق هي التواضع والتبسم في وجه الغير والتسامح والغفران والحكمة والحب والإيثار والنظافة والرقي في التفكير والتصرف واللسان الطلق المحترم، الأخلاق نجدها في العمل بشرف ونراها في أصحاب الجهد والإخلاص والنية الخالصة والخالية من الشوائب، من لا يرون في غيرهم عيوبا وإن رأوها فهم لا يتحدثون عنها وإنما يأخذون بيد صاحبها في محاولة قلبية وفعلية للإصلاح، الأخلاق هي ما يفعله الغير أمام الجميع فيقتدي به، أن يكون مثلا أعلى وقدوة وعلو منزلة يتمناها الجميع ويصبون إليها، الأخلاق ليست حكرا على شخص دون الآخر لمجرد أن هذا الشخص قد اختار وعين ونصب نفسه مقياسا لها وللنداء بها.

كيف يدعو شخص للأخلاص وهو في نظر الكثيرين أولى الناس بمعرفتها؟

حتى وإن اعتذر عن عدم إتمام مهمته بعد ثورة الكثيرين أو انسحب خوفا من تفتيح الملفات المغلقة إلا أنه لم يكن ولن يكون أبدا مرجعية للأخلاق عند الشعب المصري، وقبول انسحابه لا يعني قبول اعتذاره، وإن دل هذا على شيء فلا يدل إلا على «حسن خلق» وتسامح هذا الشعب.

لقد قال نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» أي أن الأخلاق كانت موجودة من زمن موسى وعيسي ومن بداية الخلق.

لو رأى الشعب ممثليه، وأخص هؤلاء بالذكر من يراهم الجميع ليلا ونهارا من نواب وأطباء وضباط شرطة ومرور واعلاميين وفنانين وصحافيين جميعهم يتسمون بالأخلاق ويعملون على نشرها والابتعاد عن التصرفات الخاطئة ونشر الأكاذيب والغوص في الأعراض والغيبة والنميمة والترويج لها بالاضافة إلى إساءة الأدب في المجالس العامة قبل الخاصة وغيره،فسوف يقتدون بهم ويبدأون في تقليدهم كما اعتادوا أن يفعلوا فلسنا شعبا بلا أخلاق وإنما افتقدها البعض وقلده واتبعه الكثيرون وآن الأوان لأن نعمل على أنفسنا ولا نترك غيرنا يعبث بنا وبأخلاقنا.

ليت الحكومة تعود لما كانت عليه سابقا في الماضي الرائع والجميل، عندما كانت هناك مادة تدرس اسمها «الأخلاق» وكان يدرسها في ذلك الوقت الأستاذ أحمد أمين الأستاذ المساعد بكلية الآداب بالجامعة المصرية كما كان اسمها، ليت هذه الحكومة تتبنى مشروعا تعليميا يعمم على جميع المدارس حكومية وتجريبية وخاصة ودولية لإدخال مادة الأخلاق إلى مناهج الدراسة للطلبة بداية من المرحلة قبل الابتدائية للنشء حتى يغرس في نفوسهم من الصغر ويبدأوا في التعايش معها وتطبيق ما لا يستطيع أي شخص إقناعهم أو تعليمهم شيئا غيرها، لابد من تمكينهم من معرفة الصواب وتمييزه عن الخطأ، للنداء بحسن الخلق وتطبيقه والعيش به.

ليت الحكومة توفر جهدها المادي واللوجيستي لإعادة تدريس هذه المناهج القديمة التي ستعود على الجميع بالنفع وتمنع أيا من هذه المبادرات بإنفاق الملايين على المظاهر والحفلات التي لن تعود بالنفع على أي من المعنيين، بل وتستعين بها في النهوض بتلك المدارس والنشء الذي هو في أمس الحاجة إليها.

دعوا الأخلاق لأصحابها الذين لا يتاجرون بها ولا يهللون لها ولا يزايدون بها وهم محرومون منها إلا من رحم ربي.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث