جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 07 مارس 2016

الترابي.. ولعنة السياسة

رحيل شخصية عربية وإسلامية مثيرة للجدل مثل د.حسن الترابي، يثير التوقف  والانتباه، لا تستطيع عند تقييمها أن تتوقف عند مسيرته السياسية فقط، ولكن لابد أولاً في ساعة الرحيل أن تتوقف عند أبرز علاماته، فهو الترابي المفكر، هو الترابي رجل الدين.. هو  الترابي المجدد إسلاميا في عالم توقف المجددين، هو الترابي الشجاع في عالم التفكير وتقديم الرؤى الجديدة، ولكن تنافسه مع صهره الصادق المهدي، جعله ينحرف عن مسار دخول التاريخ، في نقطة قوته، وهي خدمة الدين الإسلامي والتجديد ليدخل معترك  السياسة، وهي المفصل الذي أضر بالمفكر وجعله ينحرف عن مسار قوته، وهي مجال تختلف او تتفق فيه مع الشيخ والمفكر.

لعنة السياسة أصابت الدكتور الترابي وانحرفت به فأصبح منظراً لدولة عمر البشير التي قسمت السودان إلى دولتين ودخلت به مجال الحروب الأهلية والانهيارات الاقتصادية والعقوبات الدولية، وجعلت منه استاذا لجماعة الإخوان المسلمين أو لكل الجماعات الإسلامية على اختلاف أشكالها وألوانها في البلد العربي الأفريقي ذي الجذور الإسلامية والصوفية النقية والعميقة في آن واحد.

لم يستغل الدكتور الترابي ملكاته وقدراته الفائقة لفصل المسارين الديني عن السياسي، كما كنا نتوقع منه، فدمج الاثنين معاً ووظف ملكاته ومهاراته وقدراته الفائقة على التعبير والكتابة فجعلنا نتصور الدين سياسة، والسياسة ديناً!

ذلك هو البروفيسور الترابي، الذي يتكلم العربية فتراه فصيحاً مثل العرب الأوائل، ويتكلم الإنكليزية فتقول انه ابن الإنكليز، أما الفرنسية فيتكلمها مثل شارل ديجول، بلا خطأ واحد، ويكتب ويتحدث بالألمانية، ومتبحراً في اللغات القديمة.

قابلت الترابي، فقلت له أنت بروفيسور عربي فائق الجودة، لماذا سرقتك السياسة؟ فبادر: نحن في بلاد لا تعرف قيمة العلم، وتريد ان تتكلم في السياسة، كان على لساني أن أقول له: أليس في قلبك غيرة من الصهر الصادق ابن المهدية، فقلت انك ستهزمه في عقر داره، أي السياسة هو ابن البيت السياسي العريق الذي حرر السودان وجعله دولة من الإنكليز ومصر معاً، ما امسكت عن قوله، قلته للصادق السياسي المهذب المتعلم  الذي لا يخطئ أبداً، قال ربما ولكن كان رأيه فيه ان الترابي المفكر السوداني لا نظير له في العالم العربي بل والإسلامي.

قصة صعود الترابي سياسياً معروفة منذ دخوله معتركها في 1964، فتقلب بين المعارضة والمشاركة في السلطة، وصعد بالإسلاميين من تنظيم صغير الى حزب سياسي كبير، ينافس الكبار المهدية والسنوسية، بل ووضع يده في يد العسكريين حتى صعد بهم الى  السلطة، بعد سقوط النميري ودخول المرحلة الديمقراطية، ودبر الترابي انقلاب البشير في العام 1989 وظل العقل  المفكر لهم حتى ادخلوه السجن، وبلغ من جبروته أو عظمة تفكيره أنه ظل مفكراً لهم وهو في السجن.

لن يتوقف التاريخ طويلاً حول دور د.الترابي السياسي في حكم  السودان الذي ظل خلافيا، هل كان إيجابياً أم سلبياً، هل خدم السودان،
أم أضر به، وساعد على تقسيمه وسيطرة الفوضى، ومهد للعسكريين حكما طويلاً، وقوض النظام الديمقراطي، ولكن ما لا نختلف فيه حوله، أن الرجل كان محنكا وبارعا في تحريك الإعلام وخطيبا مؤثرا وداعية، أما كونه مفكراً إسلامياً فهو من طراز خاص وشجاع لدرجة انه اتهم بأنه يخرج عن السياق العام للفتاوى الإسلامية، وانه استخدم مصطلح القياس الواسع، وبشعبية الاجتهاد، اما مؤلفاته فنستطيع أن نؤكد ان الفكر الإسلامي في قادم الأيام سوف يعود إليها لأنها تحمل فكراً عميقاً قادراً على مسايرة العصر والتعامل معه، بتجديد حقيقي وفي العمق.

كنا نتمنى ان ينجو مفكر مثله بطراز فريد من مصيدة السياسة او لعنتها ويكرس جل تفكيره لخدمة الدين، ولكنه لم يفعل فحصد لعنة السياسة ولم يتح لأفكاره ان تتبلور وتستقر.

فلعنة الله على السياسة والسياسيين وليرحم الله الشيخ والمفكر الراحل د.حسن الترابي وليتجاوز عن سيئات السياسة ولتشفع له كتاباته المؤثرة حول العقيدة والتوحيد، والإيمان وأثره في الحياة، بل عن الصلاة التي  هي عماد الدين وعن التفسير التوحيدي وعن منهجية التشريع الإسلامي.

رحم الله المفكر حسن الترابي، وتجاوز عن أخطاء وخطايا السياسي د.حسن الترابي.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث