الخميس, 03 مارس 2016

الفارس لا يترجل

في أوائل السبعينات. طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، يجلس على رصيف الشارع، صغير الحجم تتدلى ساقاه من على الكرسي، يجلس قبالته رجل أسمر البشرة يستمع باهتمام إلى ما يقرأه الطفل، يمعن التفكير أحياناً، يصوب نطق الطفل كثيراً، طقس أسبوعي امتد لسنوات، يتكرر صباح كل يوم جمعة، الأب يشتري جريدة الأهرام، يبحث عن مقال بملء الصفحة، يناول الجريدة للطفل فيقرأ، «بصراحة، بقلم محمد حسنين هيكل» لا يعني الطفل ما يقرأه، تختزن الذاكرة بالمفردات والصور، تعلق صورة الكاتب في الذاكرة، سنوات طفولة يصعب أن ننساها، ولا نحب أن ننساها، رحم الله الوالد ورحم هيكل.

اليوم، أستأذن القارئ الكريم في الكتابة عن الأستاذ واستمحيه عذراً، يقيناً أن سطور خادمكم تتضاءل أمام أقلام أفذاذ عاصروا الأستاذ، تتلمذوا على يديه، تقلبوا في نعيم نصائحه، قرأوا مقالاته بكراً قبل أن تمسها عيون القراء، قرأوا أفكاره قبل أن تنام على الأوراق، اليوم يتطاول خادمكم للكتابة. عن الاستاذ لا من باب كشف المخبوء، ولا ادعاء صلة، ولكن من باب تقدير أولي الفضل، هكذا تربينا.

صعب أن تكون في مكنون صناعة الخبر وقدس أٍداس أسراره وتحافظ على توازنك، جميل أن تكون ترجمان السياسة للبسطاء، نجاح أن يقرأك أصحاب الفكر والسياسة ومن يفكون الخط، أن يشعر قارؤك بأنك الأقرب إليه، يأنس إلى كلماتك، عبر كيمياء لا يعرف كنهها إلا الله سبحانه وتعالى تتحول مهارات تقصي الخبر من مصادره، توثيقه صوتاً وصورة، وتدوين تفاصيله الطازجة إلى مقالات وكتب، تصبح حال نشرها مقصداً للحيارى، حيث تقرأ وتستشعر نكهة مختلفة، وفكراً غير مسبوق، يتجسد العمق التاريخي لما نعاصره من اتجاهات فكرية وعقائدية.

هو عين طائر ترى الجزر المتناثرة أرخبيلا تأتلف دقائق تفاصيلها بخلاف ما تخبرنا به النظرة السطحية، تنبع الرؤية من بطون قصص التاريخ، تستنطق التضاريس والجغرافيا، تترجم مفردات الاقتصاد والحياة الاجتماعية، تتشكل الأفكار ويغدو الغد أمساً، يختلف من يختلف، فيحترم الرأي الآخر، يتطاول عليه من يتطاول، فلا يلتفت ولا يتوقف، يصبح تألقه وقوداً لنار الغيرة والحقد، فيسعى من نجاح إلى آخر.

الأستاذ حالة فريدة تتوهج مع مرور الأيام لا على مستوى الصحافة فقط بل والإدارة أيضاً، تولى ادارة الأهرام وهي بعد محدودة التوزيع فصارت الأكبر محلياً وعربياً، انتقلت من مبنى صغير إلى آخر كبير، سددت الديون وتراكمت الأرباح، دعا النجوم للكتابة في الأهرام، فصار كوكباً، توافدت الكواكب فصار شمساً، تزاحمت الشموس فصار القطب الأعظم.

توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، لويس عوض، زكي نجيب محمود، وغيرهم صارت الأهرام مدرسة يديرها الأستاذ، جميل أن تدير مؤسسة كل من فيها نجوم، فإذا ما غادرتها دام وجهها، أبداً لا يخبو ضوء المصباح.

الأستاذ حالة ندعو الله أن تتكرر في كل مجال، الاقتصاد، الإدارة، السياسة، الهندسة، الطب، الفنون، القانون، إمام يأتم به التابعون، تستحيل حروفه مسبحة من نور، وكلماته قنديلا، غدا، أو بعد غد، سيولد طفل جديد، يمسك بالصحيفة صباح كل جمعة ليقرأ على مسامع أبيه مقال الأسبوع ينظر الأب إلى الأفق البعيد فيرى أستاذاً جديداً يسرج فرسه، يجذب في قوة رايه توشك أن تقع على الأرض، وينطلق صوب قرص الشمس.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث