جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 25 فبراير 2016

في اليابان.. أنت ملك

عندما تصل إلى بلاد الشمس المشرقة المسماة باليابان تدرك دون أدنى شك أنك قد انتقلت إلى كوكب آخر خارج نطاق العالم الذي نعيش فيه، كوكب مستقل عن عالمنا به نظام وانضباط والتزام وتهذيب ونظافة وتقدم علمي، كوكب تقوم ثقافة سكانه على احترام العمل واتقانه والتفاني في تأديته على الوجه الأمثل دون انتظار لكلمة شكر أو تقدير.

لأن هذا المواطن المحترم يؤدي واجبه وكأنه نوع من أنواع العبادة ممكن ناس كثير من حضراتكم تقول لي وايه يعني ما فيه دول متقدمة بالعشرات وعندها برضه تقدم علمي ونظام وانضباط فايه بقى العجيب والمختلف في اليابان؟ أقول لحضراتكم لأ.

انضباط اليابان شكل تاني وتالت ورابع كمان، انضباط مفيهوش ثغرات ميفوتش الهوا من أول سواق التاكسي الذي يفتح باب السيارة أوتوماتيكي وهو جالس مثل الباشا مرتديا قبعته المهنية وقفازه ناصع البياض في سيارته التي يغطي مقاعدها الدانتيل الابيض الذي يشع نظافة كأنه طالع حالا من الغسالة، مرورا بضابط الأمن عند مداخل ومخارج الفندق بنفس الجوانتي الابيض وعصا المرور المضيئة لتنظيم دخول السيارات من خلال رؤية أوسع لحركة المرور بالشارع، وزميله في محطة الاتوبيس يقوم بنفس الشيء باحترام وهدوء شديدين.

اما ضباط الأمن في محطات مترو الانفاق فحدث عنهم ولا حرج لما سيادتك تسأله عن أي معلومة لا يمكن يرد من دماغه أو يفتي في الموضوع، من رابع المستحيلات فحضرته سيخرج من جيبه حافظة شفافة بها جميع الخرائط والبيانات ويفتحها وهو لابس الجوانتي الابيض الانيق ويخبرك بالمعلومة الدقيقة جدا وأحيانا يتشاور مع زملاء أكثر اختصاصا في السؤال وهذا الاسلوب للاجابة عن استفساراتك متبع في كل مكان سواء الفندق أو المحلات أو المطارات أو أي من الأماكن العامة.

فمبدأ أن «يفتي» المواطن الياباني فيما لا يقع في نطاق اختصاصه أو يتكلم من دماغه غير موجود اطلاقا في قاموسهم ولذلك فان زيارتك السعيدة لليابان ستتميز بأكثر قدر من النظام والانضباط في كل لحظة من لحظاتها.

أما بالنسبة للتهذيب والأدب الياباني في التعامل فهم ملوك التهذيب والاحترام بلا منازع ليس فقط في كوكب الارض بل أيضا في الكواكب السيارة.

فالياباني يعاملك وكأنك أحد الأمراء الذين هبطوا أرض اليابان أو تكرموا بالتسوق في مراكزها الشرائية الكبيرة الأنيقة المنظمة التي تعرض فيها حتى المأكولات بتنسيق أنيق مبهر ينافس الزهور الشهيرة في اليابان، فالجميع يبتسم في وجه سيادتك ويعرض عليك بضاعته من أول الابرة للصاروخ بمنتهى التواضع ويشرح لك تفاصيل التفاصيل موضحا المزايا والضمانات في السلعة التي امامك ويجيب عن أسئلتك مهما كثرت بصبر شديد دون تململ على أساس ان وراه زباين غيرك ومش معقول حيضيع النهار كله في التحدث مع حضرتك وبعدين يا تشتري ياما تشتريش استحالة يحصل كده أو حتى يخطر على باله فاخلاصه في عمله يدفعه للتفاني في خدمتك ويعرض عليك كل الخيارات في القسم الذي يبيع فيه.

وعندما تقرر أن تشتري ولو شيئا صغيرا فانه يشكرك شكرا جزيلا عميقا وينحني أمامك ويصمم على اصطحابك حتى المصعد أو السلالم شاكرا منحنيا مبتسما فهل فيه كده في الدنيا؟ طبعا مفيش على الاطلاق المشكلة الوحيدة للناس أمثالنا من أصحاب «الديسك» هي الافتقار للياقة البدنية المطلوبة لمجاراة الشعب الياباني المهذب في رد الانحناءات المستمرة دون انقطاع طوال اليوم حتى عند مجرد عبورك لبهو الفندق في طريقك لغرفتك أو اثناء استعراضك العابر لاقسام الشراء في المحلات حتى ان لم تتوقف عندها فهم سينحنون لك في جميع الأحوال.

باختصار اليابان جميلة ومنظمة وودودة ومتقدمة وعريقة في ثقافتها وحضارتها واقتصادها يشجع مواطنيها على الانفاق والاستمتاع ومحلاتها بها جميع بضائع العالم معروضة عرضا أنيقا مبهرا لكن اضافة إلى ذلك هناك موضوع قد يبدو ثانويا لدى البعض ولكنه حيوي بالنسبة للعرب، وهو أن دورات المياه العامة والخاصة في اليابان المتحضرة بها «شطافات» تكنولوجية بماء بارد ودافئ وموسيقى مصاحبة وقواعد دافئة للجلوس عليها، فيه دلع ونظافة أكثر من كده؟

ولذلك كله وأكثر منه مما لا تسمح مساحة هذا المقال بتناوله فإنني أعرب عن اعجابي واحترامي لهذا الشعب العظيم الذي استطاع أن يحقق ذلك الانجاز والتقدم مع المحافظة على التحضر بعد محنة الحرب العالمية الثانية القاسية ومأساة ضرب مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنبلة الذرية التي مثلت نقطة فاصلة في تاريخ البشرية وبالرغم من كل ذلك وما واجهه الشعب الياباني من تحديات وعقبات يصعب وصفها قد نجح في أن يصبح اليوم من أكثر شعوب الأرض تقدما ولذلك أقول للأصدقاء في اليابان أرجو أن تتقبلوا سلاماتي واحتراماتي وانحناءاتي.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث