جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 21 فبراير 2016

دلالات دعم الطاقة

عادة يرتبك متخذو القرار عند قراءة كلمة «دعم» فهي تعني بالنسبة لهم تدبير موارد مالية لتغطية فجوة سعرية لمنتج ما يباع بأقل من كلفته الحقيقية، على الجانب الآخر يتحفز المستهلكون ويتأهبون للاحتجاج عند قراءة ذات الكلمة في تصريحات رسمية, إذ تعني بالنسبة لهم نية الحكومة تقليص الدعم، ما يعني مطالبتهم كمواطنين بدفع مبالغ مالية أكبر نظير الحصول على ذات الخدمة، وبين هاتين النظريتين يتآكل الاقتصاد الوطني، وتنخفض جودة الخدمات، ليتحول كثير منها إلى عناوين ليس أكثر!

وبالقياس بين المنتجات المدعمة تستحوذ «الطاقة» على لقب الأكثر دعماً، فقد قفز إجمالي الدعم العالمي من 342 مليار دولار عام 2007 إلى 523 مليار دولار في عام 2014، جاء معظمها من ميزانيات البلدان النامية بهدف دعم أنظمتها التقليدية لإنتاج الطاقة.

تعد المنطقة العربية الأبرز على مستوى العالم في دعم الطاقة بنسبة تصل إلى ٪45 من إجمالي الدعم العالمي، ومع تفاوت نسب الدعم بين بلدان المنطقة تتصدر الكويت، والسعودية، وقطر مشهد دعم أسعار الوقود والكهرباء، بأكثر من ثلثي كلفة إنتاج كل منها، ليقترن الدعم بزيادة الاستهلاك. ومن حيث المفارقات، لا يزيد المتوسط العالمي لنسبة الدعم مقاساً إلى إجمالي الناتج المحلي عن ٪2، في حين يصل نظيره في المنطقة إلى ٪20، أي عشرة أضعاف المعدل العالمي، ليستدعي التعامل معه معالجات بالغة الحساسية كونه أصبح مرضاً مزمناً يتطلب البدء الفوري في العلاج، يقيناً أن كلفة التأخر أعلى من كلفة البدء.

وللإنصاف، لا يقتصر الدعم على دول المنطقة فحسب، بل يمتد لأنحاء كثيرة من العالم، فدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» تدفع في المتوسط ٪14 من إجمالي الدعم العالمي للطاقة، أي 72.5 مليار دولار، تتصدرها أميركا وبريطانيا بدعم قدره 13.1 و6.6 مليارات دولار، على الترتيب.

ومع هذا، فالفارق بين منهجي الدعم في دول المنطقة والدول المتقدمة شاسع جدا، ففي المنطقة يعني بيع البنزين والسولار وكافة أنواع الوقود وكذا الكهرباء بأدنى من كلفة الإنتاج، أما الدول المتقدمة فيعني أن كل من يريد الحصول على لتر وقود- أياً كان نوعه- عليه أن يدفع سعره الحقيقي كاملاً غير منقوص، فالدعم لدى الدول الصناعية يعني إقرار بعض الإعفاءات الضريبية على استخدام الوقود الأنظف أو الوقود الهجين «الإيثانول والبنزين» كما في البرازيل وأميركا. أيضا، يشمل الدعم المالي لأبحاث الطاقة، مثال ذلك تقديم نصف مليار دولار لشركة تسلا الأميركية لتصنيع سيارات كهربائية ومثلها لأبحاث الوقود منخفضة انبعاثات الكربون.

يمتد نطاق الدعم إلى أبحاث تطوير إنتاجية آبار البترول والغاز الطبيعي، والعمل على تحسين إجراءات التكرير والنقل والتخزين  لكلا الخامين ومشتقاتهما، إلى جانب ذلك، ينمو الدعم المالي المخصص لأبحاث حجز الكربون وتخزينه وإعادة استخدامه في دول الوكالة الدولية للطاقة عاماً بعد عام، وكذا أبحاث استخدامات الطاقة النووية للأغراض المدنية السلمية.

ولتدبير ميزانيات الدعم في الدول المتقدمة يلتزم مستهلك الكهرباء في ألمانيا بدفع 2 سنت يورو على كل كيلووات ساعة يستهلكه، توضع في صندوق دعم الطاقة المتجددة، تجمع منها ألمانيا 13 مليار يورو سنوياً تدفع منها قيمة شراء الطاقة المتجددة بنظام تعريفة التغذية، وتغطية الإعفاءات الضريبية، وأيضا ميزانيات البحث والتطوير في مجالات الطاقة المختلفة. بقي أن نعرف أن الحكومة الألمانية رفعت هذه القيمة لتصبح 5 سنت يورو لكل كيلووات ساعة منذ يناير 2013، ليرتفع رصيد صندوق الدعم بأكثر من الضعف! وهو ما يعني أن المستهلك شريك رئيسي في عملية الدعم والتطوير، وبما لا يؤثر سلباً على ميزانيات الحكومة ويتجنب تدهور الخدمة وتحولها إلى عنوان أكثر منه خدمة حقيقية.

إذاً، فالدعم ضرورة لا غنى عنها في معظم دول العالم، إلا أن مفهومه يختلف من دولة لأخرى، سواء على مستوى التطبيق أو الأعباء المالية، وإذا كان أحد أهداف الدعم مراعاة البعد الاجتماعي لمحدودي الدخل، فإن الأغنياء مطالبون بتحمل مسؤولياتهم في تدبير جانب من التمويل اللازم للدعم، أيضا يضاف لأهداف الدعم المساعدة في تطوير التقنيات المختلفة لإنتاج الطاقة بتوجيه جزء من الدعم إلى قطاع البحث والتطوير، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية ورفع الكفاءة وتقليل انبعاثات الكربون وانتشار التقنيات الحديثة تحت غطاء مجتمعي يشارك في التمويل وتحمل الأعباء وأيضاً جني ثمار الدعم الإيجابي. يقيناً أن التوسع في دعم الوقود يعني المزيد من إنهاك وإضعاف الاقتصاد القومي!

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث