جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 10 فبراير 2016

الرقاصة.. وأينشتاين

المتتبع لمسار التاريخ الاجتماعي البشري منذ أن بدأ التدوين والكتابة في بابل القديمة، الى حاضرنا اليوم، يستشف حقيقة واحدة وهي الارتقاء نحو الهاوية، حيث برهن التاريخ ـ والتاريخ هو الحقيقة الواحدة التي نعرفها ـ  على انحدار الذوق والفعل البشري في الفنون والآداب والاهتمامات والفعل الإيجابي الضروري للتطور البشري، فصارت جدران المجمعات وما تحويه من علامات تجارية عالمية اكثر أهمية من اللباس نفسه، وأصبح إقناع الآخرين وإثارة إعجابهم أهم من اقناع الذات، وأصبح التمظهر بغير قناعة لعبة اساسية داخل المنظومة الاجتماعية، في ظل ذلك تغيرت القيم والمفاهيم، وتعددت الأسس والمعايير ما بين عولمة الذوق والأخلاق وصولا الى الحريات الشخصية الثابتة في الذوق والاختيار، فإذا افترضنا جدلا صحة مقولة الأذواق لا تناقش، فنحن وإن اعتبرناها أساسا للسلوك الفردي فإننا نعترض عليها عندما تتحول لسلوك جمعي ومجتمعي.

عندما تتحول المثل العليا من العلماء والحكماء الى الممثلين والمغنيين وغيرهم من أبطال الوقت الوهميين، وتتحول الأغاني من الكلمة الموزونة واللحن الفياض الى تعابير متشنجة والحان تشبه أصداء أشغال عمال الطرق، وعندما يتحول الرقص من الباليه والفالز الى حركات تشبه تأثير حد المدية على الأضحية، وعندما تتحول الإعجابات من الكلمات والإبداعات الى تفاصيل الجسم ونسبة العري الموظفة من المرسل الى المتلقي، عندها فقط ندرك أنه انحدار قوي للذوق والفن البشري ، وفي هذا السياق يقول الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله «هذا شأن العالم دائما من خمسة آلاف سنة ، كانت الراقصة تكسب أكثر من الكاتب .. والطبال يكسب أكثر من الخباز والنجار والحداد .. ولو أنك دعوت اينشتاين اليوم لندوة علمية ثم دعوت امرأة عارية لحديث صحافي، لترك الجمهور أينشتاين وعلمه ، ولتجمعوا حول المرأة العارية بالألوف .. هذا ليس ذنبنا وانما سببه ان اكثر الناس من أهل الهوى وعبيد الشهوات .. وهم لذلك يشجعون التافه من الأمور، وينصرفون عن الجاد».

ولعل هذا التعبير الواضح ينعكس على واقعنا الحالي، حيث تخلو التجمعات الفكرية والثقافية من الحضور، بينما تكتظ بحضور الحفلات والمهرجانات، فبينما يجلس مفكر وصاحب رأي حر يحاضر للكراسي الفارغة وفي رصيده مؤلفات وخبرة سنوات، يحتفل مغن مغمور وراقصة شابة بحضور الآلاف، فشكل المغني أهم من الكلمات والألحان ، ومدى عري الراقصة أهم من التعابير والإيحاء ، وشناعة الكلمات أهم من الوزن والقافية ، وماركات السيارة والملبس أهم من التناسق والارتياح ، نحن في زمان أشبه بكثير بحد المدية فإما أن تكون مع الرأي الجمعي أو توصف بالرجعية والتخلف في الشكل والمظهر. زمن لا يقرأ فيه كتاب أو مقال أو خاطرة، حيث استعيض عن ذلك بجمل غير كاملة على الوسائط الاجتماعية، زمن نطلب ألا ينتج أناس متشابهين في الخصال والصفات، وان يدفن في طيات النسيان إرث المعلقات والمقامات والأفكار والروايات، ولكم أتمنى من أجيال المستقبل أن تحيي الفكر والعلم والأصيل من الذوق والكلمة ، فلا مستقبل لأمة تجاهلت إرثها وتاريخها ، فبالتاريخ تبنى قيم الحاضر وتكسر تحديات المستقبل.

والله من وراء القصد ،،،

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث