جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 08 يناير 2016

سهود ومهود

من عبارات الماضي التي كثيرا ما سمعناها في مجالس كبار السن «سهود ومهود» هذه العبارة أقرب ما تكون من البادية والقرى، وإن كان الجميع يقولها، اما معنى السهود فهي الأرض السهلة المستوية السالكة التي لا وعورة فيها، والمهود أيضا نفس المعنى ومكملة للسهود ومعناها الأرض الممهدة التي يسير عليها الراكب بلا صعوبة، إذاً فالكلمتان متلازمتان لا غنى لإحداهما عن الأخرى وينطقان معا، وهذه العبارة قديمة جدا قبل صناعة السيارات، فكان الرجل إذا كانت أموره على ما يرام قال: «سهود ومهود والعدو مقرود». أي انه بخير ولا ينقصه شيء، والسهود والمهود ما ننعم به في هذه الأرض الطيبة، فهل حمدنا الباري عز وجل على هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟ هل حاسبت نفسك أيها الرجل - وكلنا هذا الرجل؟ هل خلوت مع نفسك يوماً وتذكرت ما فعلت؟! استمعوا معي الى هذه الأبيات:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل

خلوت ولكن قل عليّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

ولا أن ما تُخفي عليه يغيب

لهونا لعمر الله حتى تتابعت

ذنوب على آثارهن ذنوب

فيا ليت أن الله يغفر ما مضى

ويأذن في توباتنا فنتوب

اذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم

وخُلِّفت في قرن فأنت غريب

وإنّ امرأ قد سار عشرين حجة

الى منهل من ورده لقريب

نسيبك من ناجاك بالود قلبه

وليس لمن تحت التراب نسيب

فأحسن جزاء ما اجتهدت فإنما

بقرضك تُجزى والقروض ضروب

هذه الأبيات غاية في الحكمة، وهي تدور في صلب ما اتحدث عنه، فلابد من محاسبة النفس، ولابد من حمد الله وشكره على السراء والضراء، ولابد أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ونحن بحمد الله أمورنا على خير ما يرام وفعلا نحن في «سهود ومهود».

وحتى لا أنسى، هذه الأبيات للشاعر العباسي أبو العتاهية، وكان التابعي عروة بن الزبير قد زار الوليد بن عبدالملك وهو خليفة في دمشق، فمرض عنده، فسارع الوليد بإحضار الاطباء له، فلما رأوه قالوا للوليد: لا بد ان نقطع رجله الى الساق حتى لا يسري المرض بجسده. فأخبر الوليد عروة بن الزبير، وقال الاطباء لعروة:  نسقيك شرابا لا تشعر معه بألم القطع. ففهم انه الخمر، فقال: ما ظننت ان أحدا يعرف الله يشربه، ولكن اذا كان لا بد من قطعها فاقطعوها وأنا أصلي. ففعلوا ذلك، ولما قطعت ساقه جاءه من أخبره بأن محمداً ابنه- وكان أعز أولاده- سقط في اسطبل الوليد فداسته الخيل حتى مات، فالتفت الى الوليد بن عبدالملك ومن حضر فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، كان لي أربعة أطراف فأخذت واحدا، وتركت لي ثلاثة، وكانوا سبعة أولاد فأخذت واحداً وتركت لي ستة، فإن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت. ثم بعد ذلك بلغ عروة بن الزبير ان بعض الناس يقولون: انما اصابه ما أصابه بذنب عظيم ارتكبه. فتمثل بقول معن بن أوس المزني:

لعمرك ما أهويت كفي لريبة

ولا دفعتني نحو فاحشة رجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها

ولا دلني رأيي إليها ولا عقلي

ولست بماشٍ ما حييتُ لمنكر

من الأمر لا يمشي الى مثله مثلي

ولا مؤْثرٍ نفسي على ذي قرابة

وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي

وأعلم أني لم تصبني مصيبة

من الأمر إلا قد أصابت فتى قبلي

وعروة بن الزبير من خيرة تابعي أهل المدينة، وهو شقيق عبدالله بن الزبير، أبوه الزبير بن العوام حواري رسول الله وابن عمته، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وقد ولد في العام الذي استشهد فيه فاروق الأمة: عمر بن الخطاب، وكان الى جانب علمه وورعه وتقواه على
جانب عظيم من السخاء، وقد توفي عام 94 للهجرة. أما معن بن أوس الذي تمثل بشعره فهو شاعر إسلامي مدح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله أخبار مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن جعفر بن أبي طالب وهو صاحب الشعر المشهور:

أعلمـه الرماية كل يوم

فلما اشتد ساعده رمانـي

وكم علمته نظم القوافي

فلما قال قافيه هجاني

أعلمــه الفتوة كل وقـت

فلما طرّ شاربه جفـاني

فيا عجباً لمن ربيت طفلاً

ألقمه بأطراف البنان

والحديث ايها الأحبة يجر بعضه بعضاً، وإذا أردنا ان تستمر هذه السهود والمهود، فلْنضعْ نصب أعيننا قول الله تعالى في الآية السابعة من سورة ابراهيم: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد). هذا ودمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث