جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 22 ديسمبر 2015

نلتقي من جديد

وهكذا انتهت أطول إجازاتي وأجملها على الإطلاق.. قطعها حنين إلى الكويت وعرض كريم فاجأني من الشيخ صباح المحمد الصباح.

بالتأكيد، أنا لا أشكو من اجازة استمرت عاما الا اياما، بل أشكر القدر الذي منحني رفاهية التوقف،فوفّر لي ان اعيش فرحة وسعادة حرمت منهما، وما كانا ممكنين في ايامي السابقة،ووهبني الفرصة كي أنجز أشياء أحبها وما كنت قادراً على إتمامها وأنا غارق في دوامة العمل اليومي الذي لا ينتهي، بوتيرته السريعة جدا،وآليته المرهقة،منتجة التوتر، ومستنفدة الطاقة والصحة،ومستهلكة التفكير جله،واحيانا كثيرة كله،بأي شيء غير كيف تصدر الصحيفة غدا بمضمون لائق وشكل جميل،وكيف سيكون العدد الذي يليه.

علمتني التجربة ان الصحافة لا تقبل ضرة معها ابدا، فهي ليست مهنة المتاعب فقط كما يشاع ويتردد،انها اكثر من هذا وأخطر.  محرقة حقيقية لمن يُخلص لها، ويعمل فيها بحماس واندفاع، ويُسخّر كل طاقته للنجاح،وللارتفاع بها ومعها،ولا يكون فيها عابر اوراق وأحبار بلا طعم ولا لون. والأنكى انها تستهلك كل هذا ولا تتوقف عن طلب المزيد وهي تبتسم وربما تَسخَر، ولكن من الانصاف القول انها ليست أنانية،بل تأخذ وتعطي وترفع من يرفعها.وتبادل من يحبها حبا بحب.

ورغم أني جهدت لمواصلة بذل كل ذلك دون تراخٍ او تهاون،وجاهدت كي لا اتهاوى عند خط النهاية،أو بالقرب منه، وهو بدأ يلوح في الأفق منذ زمن،إلا أن المتعة اللذيذة،وإن متعبة، من المهنة التي درستها، ثم مارستها بحب وصل حد العشق والشغف، بدأت تنفد  شيئاً فشيئاً، حتى تلاشت ووصلت إلى القعر، وإن كانت القدرة ،أو بعض منها،مازالت موجودة.

ولأني ألزم نفسي بأن تقدم دائماً أفضل ما لديها، وهو ما أطلبه من زملائي الذين أتوسم فيهم الموهبة، ولست من النوع الذي يسعى إلى بناء مكانة بدون ثمن، أو بأي ثمن،فقد شكرت القدر مرة ثانية لأني شعرت وأدركت أني توقفت في اللحظة المناسبة.وهذا بحد ذاته انجاز لا نوفق فيه جميعنا.

تعززت هذه القناعة وأنا أطالع الكتب التي تكدست في مكتبتي خصوصا تلك التي تحاول فهم الاسباب التي اوصلت العرب الى يومهم التعيس البشع هذا، كما وأنا أعيش نمو أسيل الصغرى،وأمحو الغصة ،وربما العَبرة،التي اجتاحتني لمّا لم تتوافر لي اجازة،ولو خاطفة،الى بيروت،لأشهد قدوم أول احفادي وأعيش فرحة اللحظة،طارق صار أبا،وسميرة وأنا صرنا جدين.

بدأت اجازتي فيما كان هذا المخلوق الآسر يحبو إلى عامه الثاني.. غمرني فرح لم أكن قد عرفته، وأنا أشاهد حفيدتي وأعيش كيف بدأت تقف، ثم تركض،تهرب، تختبئ،تسبح، تنطق كلمة، كلمات، بينها «جدو»، ثم جملاً أجملها على الاطلاق السؤال المدهش «شو هاي» (ما هذا) وهي تتعرف على الاشياء، والاحتجاج الحلو «يا عمي.!» ويواكب كل هذا عناد آسر « ما بدي..» (لا أريد).

الى أسيل الصغرى، عشت شهراً مع زياد الحفيد الثاني ،الطفل الأول لأسيل الكبرى، وهو يكبر الى عامه الأول، أكولٌ كما احبُّ الاطفال، هاوٍ للسباحة، فأضاف الى رياضتي التي أمارسها يومياً مزيدا من المتعة، وبعث فيَّ حماسا اضافيا لها.

ثم أتت ريم الابنة الثانية لطارق لتزيد الإجازة بهجة وجمالا.

لقد عشت الفرح والسعادة من أطفالي،اذ وهبني الرحمن أسيل وطارق.لكن الجد غير الأب. الحفيد هو فاكهة الحياة،ويجب ان اضيف اللذيذة جدا. نمو هذه المخلوقات الساحرة معجزة حقيقية.والدليل الأكيد على ان الحياة مستمرة،مهما يكن، إلى ما شاء الله.

في الإجازة أيضاً،أنجزتُ خطة مشروع إعلامي راق ومهم أفتخر به،واذا ما وجد طريقه الى التنفيذ،سيكون الاول من نوعه في البلدان العربية.

ومن النعم كذلك،أني وجدت الوقت لأباشر الإعداد لتحقيق حلم كنت اضطررت لتأجيله من عام إلى عام. بستان ورود وأزهار أتفرغ فيه. هيأتُ له الأرض، وجهدت لتنظيفها من ألغام وقنابل عنقودية تركها العدوان الإسرائيلي على بلدي عام 2006. وما إن ظننت أن الحلم أصبح قريباً حتى بدد الشيخ صباح المحمد هذا الظن.

أهم من العرض الذي قدّمه، كانت صراحة منه فاجأتني،والأصح انها أدهشتني، وطموح غامر نفخ فيَّ شرارة حبي للمهنة فأعاد إشعالها. وبعدما كنت قد قررت العودة الى الجذور، الأرض، أعادني إلى بحري الذي أسبح فيه وأهواه،الصحافة.

أما الصراحة المدهشة فأكشف عنوانها فقط.بعد السلام مباشرة،ومع اول رشفة قهوة،قال أبو محمد: «أقولها لك بنفسي قبل أن تسمعها من غيري ...» ورمى قنبلته  التي ادهشتني،لكني  أحتفظ بها لذاتي لأن المجالس أمانات.وأكتفي بتكرار قناعتي الراسخة في أن  من يقول الحقيقة في عينيك يفرض عليك احترامه. فنحن نعيش في زمن عجيب.. حيث «الثقافة» تقاس بمقدار الكذب،و«الشطارة» تحسب في التنكر لموجبات الصدق والصداقة، ومن يجرؤ على قول الحقيقة يعتبرونه متهوراً وربما مجنوناً.

أما الطموح والحماس والاندفاع، فقد انعكست في مشاريع ورؤى وتصورات تتزاحم في ذهن الرجل وأحلامه،وترافقه في يقظته ومنامه. رغبة متقدة في التطوير والتقدم والتوسع، وطموح قد يظنه البعض افلاطونيا،لانهم معاكس لما أصبح سائداً في صحافة الكويت وإعلامها. فبينما يزداد انكماشهما وانحصارهما الى حد الغرق في المحلية، يحلم راعي «الشاهد» ويعمل نحو  أفق منفتح واسع طموح يشمل العرب كلهم، خاصة مصرهم وخليجهم.

انه صاحب حلم إعادة الاعلام الكويتي الى أصله: جذور عميقة ضاربة في ارض الكويت،ممتدة مفتوحة على الافق العربي  الواسع.

كيف أتصور رحلتي الجديدة؟

آمل وأعمل كي تكون الإجابة في «الشاهد».

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث