جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 02 نوفمبر 2015

الماء العربي

المياه العربية هي مركز الارتكاز والحركة والترحال بالنسبة الى الأمة العربية: فنشأت المدن الكبرى حولها، وتحركت القبائل بحثاً عنها وخلفها، وحفرت الآبار لاستخراجها، وقطع المياه العربية عن البطن العربي أو الجوف العربي، لن يصلح معه الآبار الجوفية فقط، فالبطن العربي متسع، وهذه المياه لن تملأ جزءاً صغيرا منه، وهذا معناه نشأة الخلاف حول الآبار، وقد تصبح كل مساحة مائية تتسع أو تتضاءل هدفاً ورغبة وسيطرة، وبذلك تكون المياه باب الجحيم، بعد أن كانت واحة الفردوس.

وهي مشكلة قد تطبق على الصدر العربي أو تصيب جهازه العصبي والشوكي بمقتل، ويجب أن نكون حذرين جداً، في التعامل مع تلك القضية، ولا ينفع معها قرارات الشجب أو الاعتراض، لأن من يفعل ذلك من الساسة والقادة العرب، ربما لا يجد كوب مياه يكمل به شجبه أو اعتراضه، على المائدة التي سوف يدار من عليها حل لتلك المسألة.

ولا ندهش أن يظل الوطن العربي حالة من الوداعة الضخمة الرقيقة، انسابت في استكانة منذ العصور القديمة حتى وصلت الى عصرنا المضطرب، حيث ظلت الأمة العربية: هي الانقياد التاريخي السريع للمآسي، لكن من الخطر أن تصبح المياه العربية ذريعة يلجأ اليها الغرب كي يحكم سيطرته على العالم العربي، والخوف أن تتلاطم المياه العربية في أيد غير عربية، فتكون مدمرة لأصحابها، وتصبح المياه العربية نهباً لأعداء الأمة العربية، فتتهشم المساحات والشواطئ، وينتابنا أحيانا القلق والضمور والغموض، حيث نغرق في بحور الصراع والجفاف بسبب المياه العربية وهو ما يخرجنا من اللعبة كلها -اقصد لعبة الحياة.

واذا كانت الصحراء باتساعها هي الجلد والكساء الحيوي الخارجي للجسد العربي، فإن الماء به يعتبر موطن نقل الاحساس من الخارج الى الداخل، ومن الفراغ الى العمق، ومن القلب الى العقل، وعليه مسئولية حضارية كبري تنظم كل علاقات التفاهم والتواجد والتواصل والرفض والاستحسان.

والعقل العربي غير مطمئن على مستقبله، واحد أسباب ذلك أن معدته وان كانت تبدو شبعانة، إلا أن شرايينه المائية مرهقة وجافة ومتقطعة، وتصيبها الجلطة أو الانسداد كل فترة، حيث يحتاج الماء العربي الآن الى عبقرية خاصة، وطريقة جديدة للحفاظ عليه وصيانته وحمايته، لأنه من الممكن أن يؤثر في مزاج الدنيا كلها، فهو يحتاج الى رعاية ورقابة وحنان ضد العطش أو القطع أو الجفاف، وضرورة تنظيم الري في العلاقات العربية السياسية، لأن زيادتها
أو نقصان تلك القنوات، قد يجعلها تسد وتصبح أو حالاً لا يصلح فيها العمل ضد الذي يعبث بمصير الأمة العربية وشعوبها حتى نباتاها وحيواناتها.

واذا كان موضوع المياه بالنسبة للوطن العربي هو: تشكيل تاريخها وصياغة جغرافيتها، فإنه وحتى الآن مازالت المياه في أوائل القرن الحادي والعشرين مشكلة من أخطر المشكلات التي تواجه العرب، حيث يفتقر الوطن العربي الى الأنهار الداخلية الكبيرة، ومع أن أهم أنهاره هي النيل في مصر والسودان، والفرات ودجلة في سورية والعراق، وهي أنهار دولية تستمد القسم الأكبر من مياهها من خارج المنطقة العربية، وبذلك تصبح المياه ورقة ضغط واضحة سواء في الصراع العربي الإسرائيلي، أو الصراع العربي التركي أو الصراع العربي العربي، ومن الغريب أن يتحول الماء من مصدرٍ للحياة والنعم الى عاملٍ لإثارة النزاعات والفتن، ويصبح حلم اليقظة التاريخي والحضاري، وأمنية الأمة العربية أن يكون لها ماؤها الخاص، حيث يصبح سبب قلق النهار وسهر الليالي، كما أن تلوث المياه كارثة بكل المقاييس، فالماء يخاف ويخشى أن تسبح فيه الجراثيم، والعوائق، والحقد، والنفايات، والجثث، والمؤامرات.

كما أن – أفراد الأمة العربية – لم تستخدم – في العصر الحديث – مادة لحد الاستهلاك أو الاهلاك كالماء، ظاهرة في كل السلوكيات العربية: في تنظيف المنازل والبيوت، أو رش الشوارع والطرقات ساعة العصاري، أو في تنظيف الملابس، أو في إرواء ملاعب الكرة، أو تنظيف السيارات والحيوانات، كذلك في التلوث والقاء مخلفات المصانع والمزارع فيها، وهي سلوكيات يجب أن نتعلم أن هذه النعمة التي نهدرها، يجب أن نعرف كيف نتعامل معها، ونحافظ عليها، ونرشدها.

والآن العقل والبدن العربي يبحث عن طوق النجاة من قلة أو شح المياه، خاصة اننا لم نتعلم حتى الآن السباحة في الصحراء، حيث يصبح حلم اليقظة التاريخي والحضاري، وأمنية الأمة العربية أن يكون لها ماؤها الخاص، والقدرة على التحكم فيه، وحمايته، مما يقوي عمق وجودنا التاريخي ويمهد للأجيال القادمة المستقبل، لتسحق الأعداء والمتربصين ومستنزفي خلايا المخ والتاريخ والأرض، في هدوء هامس كاسح صامت بالغ النقاء. دون ضجيج، قبل أن تصل بنا الأمور الى دق الأعناق.

ولا أريد من هذه السطور أن ينجّم  نوع من الهم، أو الحزن، أو القلق، لكنه تحذير مبكر، ورؤية قد تكون ضيقة، ولكني أتمنى أن تفيد من يقرأها ويعمل بها، كما انني لا أريد في هذا أن أشيع الكثير من الآمال والأمنيات التي تشع داخل الكيان العربي لبعض الوقت، ثم تخبو أو تغرب، ونقع من جديد في شروط الحياة القاسية ونتائجها المؤلمة.

ولكني أؤمن أن المياه العربية – رغم قلتها- قادرة على غسل وجدان الشعوب العربية من أدران ومشاحنات أحدثتها المواقف التاريخية، والتي ليس للشعوب بها أي ذنب.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث