الإثنين, 21 سبتمبر 2015

كل شيء تغير..إلا

تغيرت مفاهيم كثيرة نظرا لاعتناق الكثير لنظرية النسبية واستنادا لقول هرقليطيس المشهور لا شيء يستمر سوى التغيير، وتبجيلا لفكرة أرسطو التغيير محبوب في كل شيء وإشادة برأي الفيلسوف الألماني المتشائم شوبنهاور التغيير هو وحده الأبدي الدائم الخالد، ولكنها لم تتغير انطلاقا من الآية الكريمة «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» الرعد/11 بل اننا نجد أن الإنسان حاليا يتغير من الخارج فهو من يرتدي ويتزين بالمفاهيم ومتغيراتها  ويجاريها وينادي بها ويعلو صوته مطالبا بإقرارها ويفرض على من يعارضه أن يفهمها كما هو يفهم دون أن يفكر أن يتغيّر من الداخل ليجعل المفاهيم هي التي تتحلى به وتشير إليه كواقع ملموس .

حال الإنسان أصبح كحال الكذب والابتسامة، له عدة ألوان يتمتع بعنصرية داخلية يرفضها بصوت عال خارجيا، ويمارسها من خلف الكواليس بهمس،فللإنسان ألوان كما للكذب وللابتسامة ألوان، فإذا كنا  نصف الابتسامة البيضاء بالصادقة،والسوداء باليائسة،والصفراء بالزائفة . ونفرق بين الكذب الأسود الذي يشوه الحقائق ويلحق الضرر بالآخرين، والكذب الرمادي الذي يغير الحقائق للهروب من موقف صعب أو حرج دون إيذاء الآخرين، والكذب الأخضر الذي يعطي آمالاً زائفة ويرفع شعارات لن يتم تطبيقها، وبين الكذب الأبيض الذي نعتبره منقذا لنا ومفيدا حيث يضطر البعض إلى اللجوء إليه لإخفاء حقيقة ظهورها قد يضر ويتم تبريرها دينيا بفقه الضرورات تبيح المحظورات، فالكذب كما نعرف محظور ولكنه إذا كان من أجل غرض إنساني أو من أجل الحصول على نتائج ايجابية فهو مباح.

إننا أصبحنا نصف الإنسان ونتعرف على طبيعته من خلال الألوان ونعرف كيف نتعامل معه.فالأخضر قائد، والأسود صاحب الذوق الرفيع، والبرتقالي حكيم، والأصفر طموح، والبني واع، والأحمر عاطفي،  والبنفسجي مثالي. حال اعتقد أنه يحتاج إلى إعادة صياغة لمضامين المفاهيم ودراسة للطبيعة البشرية بشكل أكثر تعمقاً، وسيتوصل الإنسان في النهاية الى أنه خليط من هذه الألوان وتصنيفه لنفسه يعتمد على الظروف المحيطة به وعلى حالته النفسية والعقلية ومدى صفائهما . وقد ساهم المجتمع الدولي بالتغيّر الذي نشهده فكل يوم يخترع لنا منظومة جديدة بمفاهيم جديدة تحتاج منا إلى دراسة متأنية قبل اعتناقها وتطبيقها.

فتغير المفاهيم وانسياق الإنسان وراءها دون أن يفكر ليعي أنه ليس بالضرورة كل تغيير صالحاً، ساعد على تغيّر إمبراطوريات فهناك منها من سقط وظهر بديلا لها، وأخرى تستعد للنهوض، وتغيرت نظم فسقطت الشيوعية وتم استبدالها بشبه ديمقراطية، وبناء عليه تغيرت جغرافية دول منها من انكمش وآخر اتسع . ولا ننسى أن هذه التغيّرات أصابت مفاهيم دينية أيضا فطريقة الفهم بناء على النسبية غيّرت طريقة التفكير التي تعالج مفاهيم كثيرة دينية وسمحت لسرد روايات جديدة وطمست روايات هي بالفعل حقيقية . وكذلك التاريخ فنحن الآن لا نؤرخ للأحداث التي نعيشها بقدر ما نحاول إثبات أن كل كتب التاريخ مزورة . وجميع هذه التغيرات ساعدت على السقوط ولم تساعد على النهوض والتقدم.

كثيرة فعلا هي الأمور التي تغيرت من حولنا بناء على تغيّر المفاهيم، منها أخلاقيات الإنسان، قضية المسلّمات،سحر الأماكن، تأثير الذكريات، فكرة الأمل، قوة العزيمة، روح التعاون، معنى الطفولة، تذوق الجمال،طريقة الكتابة، حب القراءة، شكل الخيال، مشاعر الغيرة، حتى الحب تغير مفهومه واختلط العشق والوله والغرام بالتملك والانتقام.

ولكن الغريب أن هناك شيئاً واحداً لم يتغير ولن يتغير، منظومة اخترعها الإنسان وهي لا تزال متوارثة بين البشر تنتقل من جيل لآخر ومن مجتمع لآخر، وكل من يحاول أن يحارب هذه المنظومة لإسقاطها ومسحها من على وجه الأرض تزداد قوة وانتشارا، هي كالفيروس الذي لم يتوصل أحد لعلاج يقتلعه أو يقضي على هذه المنظومة الفيروسية،بل بالعكس تغيّرها بتطورها وسرعة انتشارها ومن كان يرفضها مسبقا يزاولها حاليا مبررا فعله  بقول هذا واقعنا الذي لا نستطيع أن نغيره، أو بقول لن احصل على حقي إلا بهذه الطريقة، بالفعل كل شيء تغير... إلا.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث