جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 07 أغسطس 2015

الماء العربي (2)

والخوف كل الخوف، أن تخرج الدول العربية من دوامة البترول « وما فعله في الجسد والانسان العربي خلال ما يقارب القرن»، الى دوامة أكثر فتكا وحدة وهي دوامة المياه، لان ما يحدث الآن يعتبر حرب أعصاب فقط، حيث تظل القطط الجائعة والذئاب الشرسة والأفاعي الخبيثة مكشرة عن أنيابها، مستعدة للهجوم الشرس الفتاك، وبخ سمومها في المياه العربية وتلويث مجاريها وآبارها، دون أي ممارسة لأي هجوم، لكنه يظل مرعباً ومخيفاً.

ومن المقلق – للعقل والقلب العربي الآن- ويسبب لأعصابه توترا مزمناً يحيل وقته ورقته وواحته الى عذاب مرهق، هي - إسرائيل- التي تتجاوز، وتخترق، وتتلاعب، لفاً ودوراناً، حول شروط أي معاهدة توقع عليها، كما أن صياغة أي شرط في اتفاقيات المياه العربية، قد يتحول الى – مشرط – بالغ الحدة والقدرة على الاختراق في النسيج العربي لأي دولة ولأي جماعة.

ومع أن من شروط أي اتفاقية أو معاهدة هو الالتزام ببنودها وأهدافها، إلا أن مثل هذه الشروط تخضع – في كثير من الأحيان – للمتغيرات النفسية والاجتماعية لدولة من الدول، خاصة في موضوع المياه، ولا اقصد إسرائيل فقط، لكن كل دولة تنظر لأمر المياه نظرة خاصة بها، دون مراعاة لأي شروط دولة مجاورة، فنجد تركيا تعبث بالمياه العربية في دجلة والفرات، كما أن إسرائيل تعبث في لبنان وفلسطين والأردن، ودول أفريقيا مثل اثيوبيا تعبث بالمياه المصرية تحت ضغط وابتزاز إسرائيل.

إسرائيل تلك « الأفعى » اللولبية المنظمة أكثر من النمل، والدقيقة مثل لدغة الثعبان، والهادئة كنسيم ليالي الصيف، والتي حاصرتنا ودمرت شرنقتنا من جميع الجهات، تلك الشرنقة العربية من المحيط الى الخليج، ذات الامتداد والأمل والنسيج الواحد، « هذه الأفعى » الشرسة التي تخترق التربة في المزروعات، وتخترق الأديان في العبث والتحريف واثارة الفتنة، وتخترق الفؤاد العربي في قطع صلات الرحم والتلاحم والمودة، وقد رفعت رأسها واشرأبت قرنتها علامة على الشر، حيث أن لدغتها تؤدي الى القبر مباشرةً، واذا نظرنا جيدا الى تلك الافعى وهي تزحف على بطنها سوف ترى شراسة الدبابات والمدرعات العسكرية ذات الجنازير والعجلات المتعددة، حيث أصبحت إسرائيل الآن – وعلى مدار تاريخها – في التاريخ الانساني – اختصارا للشر والخيانة.

وجميعنا نعلم ان إسرائيل تتلمس كل شيء في الوطن العربي، تتمدد في النفوس وتتماوج لتصبح حقيقة واضحة في الشوارع والبيوت وغرف النوم والعقائد والمأكل والمشرب والتاريخ والأديان، ولا يصلح معها أن تستعيذ بالله من شيطانها، وندرك مدى نشوب وتوغل أخطارها في الجماعة العربية، أو الاختراق في العقل العربي والماء العربي أيضا، لان هذه الدويبة تنخر في البيت العربي في دأب واصرار، وكلما كان البيت « العربي » مظلما كئيباً، كان أكثر تلاؤما للتخريب، وتصبح بيئتنا العربية- الحارة الرطبة الدافئة، أصلح البيئات لنمو الشر والعقارب والتوجس والرغبة العارمة في الاستيلاء على مملوكات الغير، سرقة أو ابتزاز أو احتيالا، وقدرتها الفائقة على انجاز الخطة السرية أو العلنية أو البرنامج الذي وضعته الإدارة الأميركية أو اللوبي الصهيوني في أميركا.

وذلك لآن إسرائيل تتميز بصفة شريرة، وهي محصلة لقوى الغضب والحقد والكراهية، واقصد هنا ميزة الحسد، أي تمني زوال النعمة من شخص ما، وأن تصبح ملكاً لك وحدك، وقد أدمنت إسرائيل هذه الميزة وأصبحت مميزة لها، وصارت حسوداً لكل ما يمتلكه العرب، قادرة على تدمير راحة الليل العربي، وحركة النهار العربي، حيث تنخر مخالبها وأنيابها في الفؤاد والمياه العربية لتصبح ملائمة لنفث هذا الوهج الشرير، هذا الوهج الذي يبدو غامضا لدرجة الوضوح، وواضحا لدرجة الغموض، واذا كانت الأرض والصحراء العربية تمتلئ بأشجار الحناء، تلك الحناء القادرة على قطع الطريق على الحسد والحاسد، فنلاحظ أن الصحراء العربية أصبحت جافة كي تستخرج تلك المادة من أشجارها، حيث لا يصل اليها الماء اللازم لتكوين الحناء سواء نباتا أو عجنا، كي يصبح نافذا في رد وابعاد هذا الحاسد الشرير، وهذا ما جعل الأصابع الإسرائيلية تتفرق لاعتصار المخ العربي وتجفيفه، واستنزاف قدراته الطبيعية بدءاً من التاريخ والأرض ومرورا بالبترول حتى الماء.

وهكذا تصبح المياه الرقيقة العذبة، ورقة ابتزاز وضغط وارهاب، مثلما حدث للبترول العربي، وان المحافظة عليه تستوجب قوة مسلحة بجواره وهو ما يضعنا أمام- مطلب الأمن - للمياه العربية، وألا سوف تصبح المياه العربية حمراء، قانية، عندما يبدأ الليل الإسرائيلي في الزحف ضاغطا على النهار العربي لازاحته من عالم النور والحياة، لان إسرائيل تلعب فيما لا يصح التلاعب فيه.

أن الحبل السري الذي يربط الأمة العربية بالحياة الآن هو الماء، ذلك المعجزة الالهية، التي يجب أن نحافظ عليها، خوفاً من قطعها، وتكون المياه العربية حبل الحياة وهي شريان الوريد الخارجي في القلب العربي الى العنق كي يصل الى المخ العربي، والذي يظل هادئاً نائماً لا يعرف ما يحدث له أو حوله، من مؤامرات وتحالفات، واضحة في اثيوبيا، وفي تركيا، وفي إسرائيل.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث