الأحد, 26 يوليو 2015

السرُّ يكمن في المتابعة وحسن الاختيار

طالعتنا إحدى الصحف المحلية، الأسبوع الماضي، في صدر صفحاتها الأولى بعنوان بارز أن «التعليم في الكويت أسوأ من زيمبابوي بـ 62 مرتبة». جاء ذلك نتيجة لدراسة أعدتها تلك الصحيفة استنادا إلى تقرير التنافسية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، ذلك المنتدى الذي نشر تقريره منذ شهر ونيّف.

من المؤلم حقا أن يكون التعليم في الكويت الغنية السخية في هذه المرتبة المتدنية التي لا تستطيع أن تنافس فيها حتى الدول الفقيرة في مجاهل أفريقيا.

تحظى وزارة التربية بميزانية مالية تعتبر الأعلى مقارنة بميزانيات الدول التي في أعلى القائمة، كما تتمتع بدعم ملحوظ من القيادة السياسية العليا للبلاد، وهي تزخر بكفاءات شابة متميزة تسعى إلى التطوير، وكل وزير يتبوأ حقيبتها يعمل بجد واجتهاد للنهوض بالتعليم، ومع ذلك حينما ندخل مجال التنافس نكون في أسفل القائمة، لماذا يا ترى؟

رغم توافر عوامل النجاح إلا أن النتائج غير مرضية. نعم، هناك جهود حثيثة لتطوير المناهج وفق أعلى المعايير، وهناك مبان مدرسية جديدة تضاهي أفضل المباني المدرسية، صحيح أن عددها لا يواكب الزيادة الطلابية المطـّردة إلا أنها في مسارها الصحيح، وهناك أيضا أحدث التقنيات التربوية المستخدمة في مختلف الصفوف التعليمية لتناسب الخصائص العمرية لكل مرحلة، ومع ذلك نحن في أسفل القائمة.

أين التنمية البشرية في خضم كل الجهود التي تبذل من أجل التطوير والتقدم؟ وهذه لن تتحقق إن لم يكن هناك متابعة جادة من الرئيس لمرؤوسيه مهما كان موقعه، سواء في المدرسة أو المنطقة التعليمية أو في ديوان الوزارة. لنجعل المدرسة هدفنا، مبدئيا في هذه المقالة، كونها مكمن العمل التربوي التعليمي. أقر تماما بأن هناك جهودا متميزة تستحق الثناء والإشادة ولكن في المقابل هنالك من يجب متابعة أدائه متابعة دقيقة حتى يؤدي واجبات وظيفته على أكمل وجه، وهذا ما نفتقر إليه للأسف ما يؤدي إلى أن يحصل جميع المعلمين تقريبا في نهاية العام الدراسي على الامتياز في تقويم كفاءة الأداء، ولو كان الامتياز حقيقيا يمثل الواقع لما كنا في ذيل القائمة. حينما كنت على رأس العمل أرسل لي أحد مديري المدارس نماذج تقويم كفاءة أداء المعلمين في نهاية العام، قمت بمراجعتها ونال اهتمامي أن جميع المعلمين حاصلون على الامتياز، تواصلت مع مدير المدرسة للاستفسار لعله نسي إرسال باقي الكشوف. فاجأني برده قائلا: كم واحد تبين أعطيه جيد؟ الحين أعدل وأرسلهم لك، كم واحد أنا أريد؟ أم أن أداء المعلم هو المعيار؟ أي مدير هذا يؤتمن على معلمين ومتعلمين؟؟ وهل نرجو منه نتائج تساهم في ارتفاع مكانة التعليم في الكويت.

مديرة مدرسة أخرى كانت محل حديث معلماتها حيث كن يتباهين أمام زميلات لهن بأنهن جميعا حصلن على الامتياز دون أدنى متابعة، وبمواجهتها بتلك الأقوال تبين أنها حتى لا تعرف أسماء معلماتها. كيف كانت تقوّم أداء المعلمات؟ لا أعلم.

بوجود هذه النوعية من الرؤساء على رأس العمل، وإن كانت قليلة، إلا أن تأثيرها السلبي سريع الانتشار. أي تنمية بشرية يتمكن هؤلاء من منحها للآخرين؟ وأي منهج خفي وقدوة يبعثونها لمن حولهم؟ حينما تكون هذه مواصفات رب البيت، فأي شيمة نتوقعها من المعلمين؟ وبالتالي أية درجة نكون في القائمة؟ لا شك أن المتابعة الجادة من قبل الرئيس، بمختلف مستوياته، ستساهم في تحسين الأداء؛ فالعمل التربوي مضن جدا وسيلفظ مع مرور الوقت الطفيليات العالقة به التي لا تتمكن من تحمل أعبائه الشاقة، لعلنا نصعد السلم قليلا.

تطبيق قانون المتابعة يفتح أمامنا بابا مهما يقودنا إلى وجوب حسن اختيار شاغلي الوظائف الإشرافية المدرسية منها وغير المدرسية. ليس كل من أمضى عددا من السنوات في الوظيفة يكون مؤهلا لتبوّؤ الوظيفة القيادية. يعمل البدن بشكل جيد إذا كان الرأس سليما معافى. ولكي يكون الرأس كذلك على وزارة التربية، في ظل التحديات القاسية التي تواجهها، إعادة النظر في آليات الترقي للوظائف الإشرافية بصورة عامة ولوظيفتي مدير المدرسة ومساعده بصورة خاصة، ناهيك عن حسن اختيار الهيئة التعليمية.

لسوء الاختيار كلفة باهظة ونتائج سلبية تجر إلى الأسفل بينما نحن نرنو ونتطلع إلى الأعلى. لسنا نبالغ إن وجهنا معظم سهام اللوم نحو من يرى وظيفته الإشرافية أداة للتباهي لا وسيلة للبذل والعطاء والعمل الدؤوب فتكون نتائجه باهرة وآثاره الإيجابية واضحة وملموسة.

نقدر كثيرا أن ارتفاع الكثافة الطلابية مقارنة بندرة الهيئة التعليمية المحلية تجعل وزارة التربية تتجه أحيانا للتعاقد مع القطفة الثانية أو الثالثة من حيث الجودة لسد النقص، إلا أن ذلك لا يمنع بتاتا من إعداد دورات تدريبية تساهم في تنمية أدائهم ليكون عملهم ذا مردود إيجابي في الفصل. وبمتابعة جادة من قبل رؤسائهم، كل في مجاله، نضمن رافدا آخر للصعود لمراتب أعلى.

التطوير التربوي وازدهاره منظومة متكاملة ومتشابكة ومعقدة تتطلب جهودا جبارة، لا يظن من هو خارج الملعب أنها أمر بسيط، ولن تؤتي أكلها حقا إلا إذا كان القائم عليها مؤمنا إيمانا تاما بأن التنمية البشرية هي سر الأسرار للنجاح والتميز.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث