جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 06 يوليو 2015

راحة البال

دعك مما في ذهنك الآن، وحاولأن تتذكر المراحل الأولى من عمرك «أيام ما كنا نحب الفتيات ليتزوجها غيرنا، أو أيام ما كنا نعمل كي ينحج الآخرون، فجميعنا مر بهذا الجحيم»، اقصد - أيام ما كنت تلعب في الحارة أو الشارع وتزعج الجيران بمضايقاتك الصبيانية، وتصرخ في منتصف الليل لأسباب تافهة، أيام ما كنت لا تفكر في الغد أو يعكر بالك زوجة تقف على باب الشقة تطالبك بالمصروفات وهي تعلم أن جيوبك خاوية، أو أمك التى تطالبك بالدواء والعلاج فلا يكون جوابك غير أن ترفع يديك داعياً لها بالشفاء،أو ابنك الصغير الذي تطالبه مدرّسته بهدية أو أشياء لا دخل لها في العملية التعليمية، كما يجب أن تتفادى أثناء مرورك في الشارع صاحب المقهى الذي يضع اسمك في كشكول باهت نتيجة ثمن المشروبات التي احتسيتها ولم تدفع ثمنها، وبالطبع سوف تتحاشى طابور طويل من محصلي النور والقمامة والغاز والمياه والتليفون والبلاوي المسيحة التي أغرقت نفسك فيها، فاذا كانت ذاكراتك عاجزة عن اسعافك الآن أو تحجرت لعدم التفكير بسبب بلاهة ما يقدمه لك التلفزيون، فحاول أن تخفف من رباط العنق الذي بدأ انه يشنقك وفك أساور القميص كما يمكنك أن تتحرر من كل ملابسك الشائكة الواخزة بسبب كمية البوليستر الذي صنعت منها، وتوقف عن التدخين والأكل والشرب ثم أخرج الى الشباك، أو الى الشرفة، أو الى السطح، أو الى الشارع، أو الى حديقة الحيوان أو الى الشاطئ «أي منهم يصلح» وحاذر يا صديقي – خلال هذه المهمة – أن تنقلب عيونك الى داخلك المزدحم بالهزائم والصداقات والنقود والرغبات المستحيلة والأمنيات العاجزة والانتصارات الفاشلة وتهليل مباريات المنتخب ومسلسلات التلفزيون وضجيج الناس ونفير السيارات والقطارات المشتعلة والمتصادمة والبواخر الغارقة والمراكب المخطوفة وطوابير الخبز أو طوابير البحث عن وظيفة أو حج أو جحر أو شقة أو قبر أو مكان تحت الشمس، كذلك لا تحاول أن تتذكر مرارة انتظار الأمل في أي شيء، فأنت الطيب الهادئ الوديع الباكي الذي يحمل السعادة المسكينة في هذا العصر، تنسم الهواء وافتح صدرك وعقلك كي تلهو بهما الرياح والأمطار والأعاصير، ولا تفكر أن تقترب من قلبك الذي مازال ينبض وأن كان يعج بالعفونة الكاسحة، واشرخ البراري النفسية لك، واقفز الى أعلى واخبط الأحجار بقدميك، وعليك الآن أن تجري أو تعدو بسرعة، لاتخف، فالكل يود أن يعدو وأن يسبقك، وأن يستعيد طفولته القديمة وراحة باله المدفونة تحت ركام السنين والضغوط والأمنيات وعذابات الطلبات، طارد العصافير والقطط والسحالي وطيور البحر والفراش ونور الشمس وعربات رش المياه، وارشق الطائرات بالطوب وسب قائدها، وجرب أن تزأر كالأسود أو تعوي كالذئاب، وحاسب أن يخرج صوتك كأزيز الناموس أو طنين الذباب، دع أعضاءك تتحرك في حرية، وجرب أن ترقص عارياً في الساحة أو الشارع أو في منتصف ميدان رمسيس - فلا تخف لقد غادر منه جدك رمسيس عارياً أيضا، قلد أصوات الضفادع والموج والريح والكلاب وحاذر أن تقلد أصوات الحمير فكثيرون يستخدمونها، اترك أقدامك تغوص في الرمل أو الوحل، لا تنزعج – يا صديقي – نعم فمازلت صديقي حتى أن انتهى من هذا المقال، لا تنزعج ولا تخف فكل أعضائك سليمة وان كان معظمها قد تأكسد بحكم عدم الاستعمال أو الجلوس الدافئ أمام شاشات التلفزيون والكمبيوتر،أو انتظار طارق يأتي على بابك كي ينبئك بأنك فزت بكنز مغارة على بابا نتيجة اجابتك العظيمة في برنامج تافه، ولا تقلق أو تنزعج من هذه الأصوات التي تصدر منك فهي مثابرة طيبة لاعادة تشغيلها، جرب الآن أن تتسلق الشجر أو النخل أو الجبال أو التلال «واياك أن تتسلق الحوائط»، وحاول أن تتذكر حكايات جدتك قبل أن تنام وأنت تلهو مع علاء الدين وتتزوج ست الحسن أو قطر الندى أو الأميرة الحسناء وتركب بساط الريح وتتعارك مع سندباد ضد اللص دهنان أو عدنان لا أتذكر، أو تتذكر صيدك السحالي بحثاً عن مفتاح الجنة، فاذا وصلت الى هذه المرحلة، عليك أن تصلي ركعتين لله لأنك – حتى الآن – مازلت تحيا.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث