جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 25 يونيو 2015

أنا وكوز الذرة

الفرق بين الألف وكوز الذرة، أن كوز الذرة يمكن لك أن تشويه أو تقوم بتفصيص حباته وتطحنها كي تصنع منها الدقيق الأبيض، بالإضافة الى أن «عظم» الكوز يصنع منه قوالح للتدفئة أو للطهي أو يصبح فحماً نباتياً لاشعال وطقطقة أحجار المعسل.

أما الألف، فهو دائماً صلب ومشدود ومنصوب في بداية قطار الأبجدية، قادر على الحراسة كجندي على الحدود، وعلى الحماية والرعاية كالأب والأم، وعلى العلاج كطبيب مداوٍ، وعلى الحب كفارس، وعلى أن يكون قلماً جباراً في يد أديب أو مفكر أوشاعر رقيق موهوب.

لكن الأف الآن – لدى الكثير من كتّابنا وشعرائنا، أصبح جداراً عالياً وغليظاً، يقف من الأمام والخلف، حيث نجد حرف النون مغروز بينهما، والذي يجعلك هنا تغرق في الأنانية والغرور والغباء الثقافي والأدبي، والألف الذي يتصدر وينهي كلمة أنا، فهي هنا تعني الغرور الذي أصاب الكثير من أدبائنا وشعرائنا خصوصاً من الجيل الجديد، خاصة كل من نشر قصة أو صدر له كتاب أو ظهر على شاشة احدى الفضائيات لمدة دقائق أو صدر له ديوان أو رواية أو حتى فاز في احدى المسابقات التي لا يسمع عنها أحد.

فقد كثرت تلك الكلمة بنبرة – تبدو شاذة على اسماعنا- وتناقلت الافواة «أنا» في الفترة الأخيرة، تلك الكلمة الانشائية الجوفاء: أنا أحسن شاعر، وأنا أحسن أديب، وأنا أحسن قاص، وأنا استحق كذا، وأنا الأديب المفوه وصاحب القلم الذي كتب ما لم يكتبه أحد من قبل، فاذا كنا جميعنا في طريق الكلمة الابداعية والبحث عن مكان تحت شمسها الكبيرة، وجميعنا نجاهد في غيط الأدب الضخم والذي يتسع للكثيرين، وكلَّ له زرعته وله خصوصيته، فلماذا لا نلتفت الى الابداع ذاته ونترك التقييم والتقويم للنقاد والقراء وللزمن أيضا كي نرى أي النصوص سوف تستمر وتتوغل في اعماق تكويننا الثقافي والجماهيري.

أن «أنا» وأعوذ بالله من كلمة «أنا»، تلك الكلمة التي تترد في الافواه لا تعني غير انتهاء أجل قائلها، وانعزاله في جزيرة صنعها بنفسه، جزيرة لا يوجد بها فرسان أو أب أو أم، جزيرة لا يوجد على شاطئها قارب للنجاة أو يصل اليها كوبري ولا تمر عليها أي سفينة عابرة بالصدفة.

فنحن، وطوال تاريخنا الأدبي، وبعد كل ما قرأناه وسمعناه من اساتذتنا الذين ساهموا في تكويننا، لم نسمع من نجيب محفوظ ويحيى حقي وطه حسين كلمة: أنا أحسن روائي أو من يوسف ادريس ومحمد شكري وزفزاف وزكريا تامر: أنا أحسن قاص أو من محمود درويش والماغوط وادونيس ودنقل: أنا أحسن شاعر.

أن - الكبر والغرور والانانية والتباهي ليس من شيمة هؤلاء العظماء، وهم عظماء لأنهم بسطاء في البداية، أي كانسان موهوب يشعر بموهبته ويشعر بحجم ما هو ملقى على عاتقه كي يكون مصباحاً يضيء للناس الطريق أو يكون منارة نهتدي بها في بحر الحياة، - لاحظ يا عزيزي أن الالف في كلمة - انسان - هنا تحولت الى ابتسامة وصفاء وقارب وسلاح وأمل، بعد ذلك تأتي أعمالهم الابداعية من روايات ودواوين وكتب في جميع الفنون والآداب، يليه تفوقهم وموهبتهم تلك التي أثقلوها بالقراءة والاحتكاك والتجريب والسفر في مضمار الكتابة، تجارب مشحونة باحباطات وانكسارات وبلاوي مسيحة حتى يروا الطريق جيداً، بل انهم استفادوا من بعضهم البعض، لان الأسد أربعة خراف، كما أن النهر الكبير يتكون من قطرات المطر ومن ينابيع لا تراها عين مغروة كعينيك أيها الـ«أنا» ، لذا لم يكن احد يتعالى على احد، أو يقول لا احد يصوب لي قصة أو رواية، أو تجد أحدهم يثور – وهو يختلف بالطبع عن الثائر- ويعترض عندما يقوم أحد بتعديل بعض أجزاء من أعماله، انه التكامل والتجانس في الزراعة في حقل يتسع للموهوبين فقط، وليس لـ «أنا» يا أنصاف وأرباع المواهب.

ان الألف تحاصر الكثير من كتابنا وشعرائنا اليوم، تحاصرهم من الأمام والخلف، وتصبح كجدار وسور عال فلا ترى غير نفسك ولا تقرأ غير نفسك ولا تهتم الا بنفسك، بالتالي لا يراك الآخرون، ولن تصلح لك النون كقارب نجاة لأنها لا تصلح للسباحة في بحر أنت غير جدير بالسباحة فيه من البداية، ولن تتحول الألف الى مجداف في ذلك القارب أيضا، وهنا ستأخذك النون لأسفل حيث القاع والظلام والبؤس الذي لن تخرج منه أبدا، ويصبح - حينئذ - كوز الذرة أفضل منك أيها الـ «أنا».

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث