جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 24 يونيو 2015

الغراب والثعلب

في حياة كل منا غراب، اختطف قطعة جبن فاخر، وطار بها بعيداً ليحط على فرع الشجرة العالية، فإذا استطعت التعرف – يا صديقي – على غرابك أو سارقك الخاص، فلابد أنه قد طار بحبيبتك، وربما زوجتك التي زهقت منك، أو بدرجة مأمولة في وظيفتك، أو كل الوظائف المتاحة، أو بجائزة كنت تستحقها أو وسام كان منقوشاً عليه اسمك، ولابد أن الغراب كان أسرع منك في اقتناص قطعة أرض أو شقة أو شاليه على شاطئ الساحل الشمالي أو كوخ على الساحل الجنوبي، وبالتأكيد أنه قد طار وحلق وأخذ كل شيء، وتركك تقف على الأرض تصرخ وتبكي وتمزق ملابسك وتلعن الزمان وأيامك الغابرة وحظك النحس.

والآن، عليك أن تتوقف عن الحزن الشديد والبكاء المرير والنواح المتوالي لمشهد هذا الغراب المؤثر وهو ينقر قطعة الجبن الفاخرة اللذيذة، وأن تتحول بسرعة إلى ثعلب، نعم - ثعلب ماكر بمخالب وأنياب وعيون تبرق بالشرر، يتسلل، أو: تتسلل في خفة بحثاً عن سارقك أو غرابك ايهما أدق، وأن تتذرع بالصبر والحيلة والمكر والدهاء والمراوغة، وتبدأ في ارتداء ملابس مناسبة تليق بك، فان لم تجدها يمكن أن تتسولها أو تستعيرها كالعادة، ثم تحلق ذقنك وتمشط شعرك وتضع عليه كريم لامع رخيص، يطلق عليه اسم جيل الآن، وبعد ذلك ترسم على شفتيك ابتسامة جميلة عذبة، ثم تبدأ في حوار مهذب وأنت أسفل الشجرة أو الشقة أو الوسام أو الوظيفة أو الشاليه أو الكوخ، لتمدح غرابك الآثم، تمدح ريشه الأسود ومنقاره المعوج ومشيته العرجاء ونعيقه الممزوج بالشؤم، ولابد أن الغراب – أي غراب – سوف يستهويه ما تراه فيه – أيها الثعلب – من صفات، فينتشي بالإعجاب ويمتلئ بالسعادة ويحرك جناحيه بقوة، ويتقافز فخوراً، لتسقط قطعة الجبن الفاخر فور بدئه الشدو والغناء والنعيق والطرب، تسقط قطعة الجبن عليك، هدفك وأملك وحبيبتك وأحلامك ورغبتك، وهو الوقت الملائم كي تقتنص قطعة الجبن «دعك من كونها قد تلوثت بالتراب»، وعليك أن تفر بها وبسرعة، حتى لا تفاجأ بأن الغراب كان اذكى منك، وأبلغ السلطات عن متابعتك له ومضايقتك وإزعاجك الدائم، فتجد يدا ثقيلة تخبط على قفاك أو كتفك، أو شلوط على مؤخرتك، أنت: أيها الثعلب، متهم بإقلاق الناس، والتسكع أمام بيوت المواطنين، والجلوس على النواصي تنظر في المارين بنظرات مريبة، مما يعرضك للاشتباه في تصرفاتك، ووقوعك في قبضة القانون، حيث لا يفيدك ولا ينقذك ما يصدر منك – أيها الثعلب الماكر، من حجج، أو أقوال، أو رائحة كريهة أيضا.

وكي تتجنب كل ذلك، تعود بقطعة جبن كبيرة وجديدة وفاخرة ولذيذة، وتقدمها للغراب، ثم تنحني وتقبل قدميه ثم تبدأ في التفاخر بعيونه الرمادية وريشه الأسود الجميل ونعيقه الذي أصبح هديل يمامة، وأعماله الخارقة في الطيران والتحليق، وبعد كل ذلك تتقدم على مهل وتقف على باب مكتبه أو أسفل عمارته أياماً، منتظراً أن يسمح لك بالدخول، وعندما يحّن الغراب عليك ويتذكرك ويتذكر محنتك ومعاناتك ودعائك وابتهالاتك للسماء، فسوف يفتح لك الباب، لتقف أمامه منحن ذليل وتعتذر عما بدر منك من كلام أو أفعال أو تصرفات حمقاء طائشة، وسوف يتأملك كثيراً وأنت تقف أمامه، ثم يبتسم أو يضحك ويحرك يده ويخرج من جيبه كارت منقوش عليه اسمه وبالطبع مكتوب أسفل الاسم: مناصبه ومواقعه المؤثرة بصفته عضواً مؤثرًا في الكثير من الأحزاب والنوادي والجمعيات التي لا تحصى، ثم يطل في وجهك مرة أخرى وأخيرة ويبتسم ويوقع على الكارت توقيعه المبهر غير المفهوم، ويصبح هذا الكارت، طوق النجاة والتوصية المؤثرة لشخص هام، كي تنقذ نفسك أيها الثعلب الماكر المزعج مما وقعت فيه.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث