جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 16 يونيو 2015

ثقافة الحَنَكُ

الحَنَكُ –في المعجم هو باطن أعْلى الفم من الداخل، وكذلك هو طرف مقدم اللَّحيَيْن، ويقصد به أيضا: المنقار، وهكذا يقفز الحنك من بين أبواب المعاجم، ليصبح في المفهوم الشعبي الفم، الراقد بداخله اللسان المسؤول عن أحد أهم الحواس وهي التذوق، لكن المدهش أن الحنك المصري مفتوح دائماً، أو تعود على ذلك، بعد حقب الفقر الطويلة، فظل مفتوحاً لا يستطيع أحد اغلاقه، وأحد أسباب انه ظل مفتوحاً، أنه جائع وعطشان دائماً، وخائف أن يغلق أو حتى يتم مواربته فيضيع عليه أي شيء، ذلك لأن بيت الداء – المعدة المصرية – جائعة، ولأن الحنك مفتوح على أقصى اتساع له، فقد قام بأخذ كل مساحة الوجه المصري، أي أصبح الوجه المصري، عبارة عن حنك فقط، وبذلك اغلقت العين وتراجعت الأنف.

ولان العين لا ترى شيئاً، لأن ما تراه بمقلتيها سيصعد للعقل أي المخ مما يستوجب التفكير والتحليل والاستدلال، أو يهبط للقلب فتتوالد الأحلام ويزداد الاحساس والوجدان، فلم تعد تعمل العين، كما أن الأنف – وهي المسؤولة عن حاسة الشم – أغلقت هي الاخرى، فلم تعد تميز أي رائحة سواء كريهة أو ماكرة أو جميلة، وبذلك اصبح الحنك هو المسيطر وهو المسؤول عن الاستيعاب المصري.

ولأن الحنك تدرب على ذلك، أو بمعنى أدق أجبر خلال تاريخه على ذلك، أي أن يظل مفتوحاً، وأن يلتهم أي شيء، أصبح كل شيء في حياتنا يتم عن طريقته، دعك من الأكل- أي الطعام- فهو قليل وفقير ولا يوجد به تغيير « فول، طعمية، بطاطس والآن لحوم الحمير».

وأنا هنا اتحدث أن حياتنا اصبح يقودها الحنك وهو المسؤول الأول والأخير في هذه الحياة بكل تفاصيلها.

ولأنني اتكلم عن ثقافة الحنك، هذا الذي لا يستوعب شيئاً، بدليل أن الافواه المصرية التي شاهدت الثورة نسيت انها حقيقة وانها ثورة – جاءت للتغيير وللنهضة ولجعل الغد أفضل، فاتجهت الثورة للمعدة المصرية التي تأكل الزلط، فقامت بهضمها دون أن تستوعبها ودون أن تصل الى العقل أو القلب المصري، واصبحت مجرد شيء استقبله الحنك ولفظته المؤخرات.

إن المصريين الآن لا يشاهدون ولا يستقبلون أي شيء الا بالحنك المتسع الذي يبتلع أى شيء دون أن يمضغه ودون أن يهضمه، لذا خلق الحنك المتسع الجمهور السلبي، ذلك الذي يجلس أمام الفضائيات أو شاشات الانترنت والفيسبوك، ولا تنسى انها اصبحت أكبر وأرخص وجبة تقدم للحنك المصري، وبذلك أصبح الحنك يستخدم كطعام رخيص لتقديم الافكار الغريبة أو الجاهلة أو الشيطانية، ويظهر أثر الاكل والاستيعاب بالحنك وقت الأزمات على شكل جمهور ينتمي لثقافة القطيع، يقاد ويدفع من قبل جهات أو أفراد ينظر لهم على انهم قادة أو مُخلصّون، دون أدنى تفكير أو مجرد طرح تساؤلات عقلية بشأن أي أزمة، أو حتى معرفة من هؤلاء القادة أو تاريخهم وما هي أفكارهم، وما يقولون وما يقدمون من حقائق وما يخفون منها، وكأنهم هابطون من السماء، أو يأخذون اوامرهم من الوحي.

إننا نمارس ثقافة الحنك في كل حياتنا، وفي كل ردود افعالنا ايذاء كل ما يقدم، لأننا عطلنا كل ملكات الجسد المصري الحسية والذهنية، واصبح الخمول والنوم العقلي مسار قطيع عريض من الجماهير، لذا اصبحت كل المناقشات الجماهيرية وكل القضايا المصيرية تنتهي إلى أسئلة بهذا الشكل الفج: هما اللي قالوا، هل سمعتهم، شفت عملوا إيه؟، دون الوقوف على المشكلة وعناصرها ومشابهاتها، ومن بحث في مثلها من الخبراء من قبل، واقترح الحلول، وبذلك تنتقل عملية التلقي من الوعي بالرسالة الى الجدل الجماهيري العبثي، وتتأزم مسارات الوعي بقضايا المجتمع كنتاج طبيعي لممارسات غير مسؤولة.

إن ثقافة الاستيعاب بالحنك، تظهر بوضوح عندما يحدث صدام حقيقي بين قطيع نائم ومخدر وقطيع آخر يفترض انه تنويري أو مثقف – وهم من يملكون الحجة والدليل، فلا يجد القطيع الأول سبيلا لفرض رؤيتهم الا بالعنف والدماء، كبديل عن ضعف فكرتهم وعدم قبول الجمهور المثقف لها، فيصبح التقاتل بديل الحوار، والقتل مرادفاً للبناء والإصلاح، ويصبح التهور والاندفاع هو قمة الوعي، ويصبح الذبح والسحل والقتل معنى الحياة، لذا يساق المجتمع المصري الى كهوف الظلام والبؤس والتشرد والتفتت بفعل انه يستوعب كل مخاطباته وكل بياناته عن طريق حنكه الضخم المفتوح.

كما ان الصوت لا تستقبله الاذن نتيجة الضوضاء والشوشرة المستمرة خاصة إذا ظهرت أي فكرة متوهجة وجديرة بالمناقشة، فتلوثها الضوضاء، ونحتاج الى الزعيق والصوت المرتفع والحناجر المزعجة الضاجة، ما يفقد هذا الصوت ان يشغل صداه حيزا من العقل، وبذلك تموت تلك الافكار المتوهجة ويغتال أصحابها بالضغط والحسرة.

إن العقل المصري الآن عاجز، مشتت، تائه، بين مصطلحات ومفردات ومعتقدات واتجاهات، كل طرف يريد أن يجذبه له، وتظل المشكلة الرئيسية في كيفية تلقينا الايجابي لمثل هذه المخادعات والافكار أو انجرافنا السلبي نحوها دون وعي أو أدنى تفكير.

اذا ظل الحنك المصري مفتوحاً بتلك الطريقة، فسوف يظل العقل المصري نائما ولا يعمل، مما يجعل المعدة تجوع وتكاد تنفجر، وبذلك تنجح تلك الجهات لتكريث وصناعة الجهل عن عمد، وبتمويلات مشبوهة، لتمرير مخططات انظمة بعينها، فتحرم الديمقراطية، وتجرم الثوار وتنعتهم بالبلطجية، لعدم وصول الثورة الى اهدافها الحقيقية.

لذا لم يكن من السهل أن تقول هيلاري كلينتون في ردها على ما حدث من رد فعل الجماهير عن الفيلم المسيء للرسول - صلى الله عليه وسلم - منذ عامين ونصف: انها تخشى ان يكون قد تم تغيير الانظمة الديكتاتورية بأنظمة غوغائية.

ان الحنك المصري لا يتبين الرسائل التي تقدم له وما يتم طرحه له، خاصة وان تلك الرسائل المقدمة له رسائل متناقضة، فلا نتبين الغث من الثمين، والحمل من الذئب، وبذلك تنحج تلك الرسائل في خداع الجماهير، وتنمي بداخلهم اللامبالاة والكسل العقلي والتشتت الفكري، دون اعمال للعقل المصري، ويصبح التكريس للقتل بالقتل، والجهل بالاكثر جهلا، والفكرة بالضجيج، والوعي بالتكفير، والنهضة بالكفر، والساذج بالاكثر سذاجة منه، بل وتدفعهم الى توليد قضايا جانبية من القضايا الاساسية التي تهم المواطن وايهامه برئيستها، فينسى الموضوع من أساسه، مستخدمين كل ادوات الحنك المصري في المخاطبة بالعنف، والكراهية بالحب، وهو تشويه متعمد للإنسان المصري البسيط، تراهن عليه ثورة يناير والوطن عليه كمحور للتنمية والنهضة المصرية.

ان المشهد ضبابي الآن، وقضايا الاوطان لا يتعامل معها بالنيات، بل بالعقل، وعقل واع ومؤمن ومدرك لما يدور حوله وما يحاك ضده من - أحْناكٌ – مفتوحة كي تنقض عليه وتلتهمه.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث