جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 19 مايو 2015

عشت مرتين

قاومت مرات اغراء الكتابة عما فات, فطيلة حياتي لم انظر إلى الوراء. دائما ما كنت اتطلع إلى المستقبل وأجد في غموضه بريقا يحفزني على الاقتحام, لذلك كنت اعتبر الأيام الخوالي, على الرغم مما يقال عن الدروس التي تعلمها لنا, أوراق خريف ساقطة او نيازك احترقت في الفضاء.
وعندما بدأت انبش في كتاب حياتي, اعتصرني الشجن وأنا اتذكر اعزاء رحلوا وأرى اعزاء يعتصرهم الالم لفراقهم, فأعجب لحال هذه الدنيا التي نتكالب عليها وهي التي تسعدنا يوما لتشقينا ليالي, تمتعنا لحظات لتبكينا اياما, ترزقنا المال والولد لتجردنا من احبابنا عنوة ودون سابق إنذار.
ما اردته هو أن أنقل لكم تجربة فراق أدمت قلبي وآلمت فؤادي, دون ان انزلق إلى إعطاء الدروس, لن أروي وقائع الفراق, ولن أغوص في بحر الفقيد, ولن أعمد إلى تبييض صفحته, فمن آلمني فراقه غني عن التعريف, ناصعة صفحته براقة, يشهد له الصغير والكبير بأخلاقه ودينه, وسماحته وكرمه, وطيب قلبه ونقاوته, ولن تطويه دوامة الزمن فبصماته الخيرة واضحة جلية... لين المعشر, كريم الطباع, حلو اللسان, رحمة الله عليه.
رأيت والدي أعز الناس عندي, يدمي قلبه لفراق عمه الأليم فاعتصرت لألمه, وتألمت وانا أرى مقلتيه تغرورقان بالدموع فتخجل يداي ان تمتد إليهما وتعجز كلماتي عن جبر خواطره.
تجول بخاطري أفكار كثيرة, ليتني كنت أديبة لاصوغها بتفرد وأصقلها ببعض الخيال, الا أنني أدركت أنني اريد أن اعيش حياتي مرتين.
ما رأيت في حزن عينيه من فراق وألم, ومن جسارة الحياة وقسوتها, ولّد لدي يقيناً بان حياة اليقظة وحدها لاتكفي, فيها الأسى والانكسار والفشل, وفيها الصمود والحلم والانجاز, وفيها من المفاجآت والمفارقات ما يعجز عن ابتداعه عتاة المؤلفين.
وعليه, يجب ان نعيش حياة أخرى, حياة المنام الحالمة نحولها لواقع جميل نتمتع فيه بكل ما هو جميل بأحبابنا، ابنائنا, صحتنا, بكل ما جادت به يد الرحمن علينا.
اي يجب أن نعيش مرتين.
اننا نعيش لحظات حياتنا في كبد, فنغفل دون ان نشعر بمن حولنا, تسرق منا اجمل لحظات العمر دون ان نعي, وإذا ما داهمنا الفراق بغتة يكون لنا من الالم النصيب الأكبر.
عرفت عمي خالد عن قرب منذ اقل من عام, وعلى الرغم من ان ما بيننا لا يزيد عمره عن شهور قليلة, فإنني عندما غيبه الموت افتقدته كثيراً, افتقدت الوجه السمح الذي يعكس روحا نقية صافية, افتقدت الصوت الحنون المشحون بالحماس والأمل والذي مبعثه ايمان وإخلاص نادر, افتقدت عماً قديراً من أعمامي يعتز والدي وانا بانتسابنا له.
ورغم انني قضيت اياما اجاهد كي اخفي في صدري حزنا هائجا, إلا ان موجه العاتي اجتاحني عندما التقيت بوالدي... فأخذت اصارعه دون ان اجيد العوم .
يابنات عمي الغاليات لا تجزعن لفراقه فهو بين أيدي خالقنا, رب كريم رحيم.
رحم الله الفقيد الشيخ خالد العبدالله المالك الصباح
واسكنه فسيح جناته
وأطال الله بعمر والدي, وألهمه وإيانا الصبر والسلوان

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث